تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
وهب عنه : أنه رأى في المنام كأن في إحدى يديه عسلاً ، وفي الأخرى سمنا ، وكأنه يلعقهما ، فأصبح فذكر ذلك للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : تقرأ الكتابين التوراة والقرآن ، فكان يقرؤهما . قوله : ( قال : أجل ) ، بفتح الهمزة والجيم وباللام ، من حروف الإيحاب جواب مثل : نعم ، فيكون تصديقا للمخبر ، وإعلاما للمستخبر ، ووعدا للطالب ، ومن يجيب عن قول الكرماني شرطه أن يكون تصديقا للمخبر وهنا ليس كذلك . قوله : ( والله إنه لموصوف ) أكد كلامه بالمؤكدات وهي : الحلف بالله ، وبالجملة الإسمية ، وبدخول : إن ، عليها ، وبدخول لام التأكيد على الخبر . قوله : * ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ) * ( الأحزاب : 54 ) . هذا كله في القرآن في سورة الأحزاب وتمام الآية * ( وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ) * ( الأحزاب : 64 ) . قوله : * ( شاهدا ) * أي : لأمتك المؤمنين بتصديقهم وعلى الكافرين بتكذيبهم ، أي : مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم ، كما يقبل قول شاهد العدل في الحكم . فإن قلت : انتصاب : شاهدا ، بماذا ؟ قلت : على الحال المقدرة ، كما في قولك : مررت برجل معه صقر صائدا غدا ، أي : مقدرا به الصيد غدا . قوله : * ( ومبشرا ) * أي : للمؤمنين . * ( نذيرا ) * للكافرين * ( وداعيا إلى الله ) * أي : إلى توحيده . قوله : * ( بإذنه ) * أي : بأمره لك بالدعاء . وقيل : بإذنه بتوفيقه . * ( وسراجا ) * جلى به الله ظلمات الكفر فاهتدى به الضالون ، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدي به ، وصفه بالإنارة لأن من السراج ما لا يضيء إذا قل سليطه ، أي : زيته ، ودقت فتيلته . قوله : * ( وحرزا ) * بكسر الحاء المهملة ، أي : حافظا ، والحرز في الأصل الموضع الحصين ، فاستعير لغيره . وسمى التعويذ أيضا حرزا ، والمعنى : حافظا لدين الأميين ، يقال : حرزت الشيء أحرزه حرزا : إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ ، والأميُّون : العرب ، لأن الكتابة كانت عندهم قليلة . قوله : ( سميتك المتوكل ) يعني لقناعته باليسير من الرزق واعتماده على الله تعالى في الرزق والنصر والصبر على انتظار الفرج ، والأخذ بمحاسن الأخلاق واليقين بتمام وعد الله ، فتوكل عليه فسمى المتوكل . قوله : ( ليس بفظ ) ، أي : سيىء الخلق . ( ولا غليظ ) أي : شديد في القول ، وقول القائل لعمر ، رضي الله تعالى عنه ، أنت أفظ وأغلظ من رسول . قيل : لم يأت أفعل هنا للمفاضلة بينه وبين من أشرك معه ، بل بمعنى : أنت فظ غليظ ، على الجملة لا على التفصيل ، وههنا التفات لأن القياس يقتضي الخطاب بأن يقال : ولست ، ولكن التفت من الخطاب إلى الغيبة . قوله : ( ولا سخاب ) على وزن : فعال ، بالتشديد من السخب ، وفي ( التلويح ) : وفيه ذم الأسواق وأهلها الذين يكونون بهذه الصفة المذمومة من الصخب واللغط . والزيادة في المدحة والذم لما يتبايعونه ، والأيمان الحانثة ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : ( شر البقاع الأسواق ) ، لما يغلب على أهلها من هذه الأحوال المذمومة . انتهى . قلت : ليس فيه الذم إلاَّ لأهل السوق الموصوفين بهذه الصفات ، وليس فيه الذم لنفس الأسواق ظاهرا ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . قوله : ( ولا يدفع بالسيئة السيئة ) أي : لا يسيء إلى من أساء إليه ، على سبيل المجازاة المباحة ما لم تنتهك حرمة الله تعالى ، لكن يأخذ بالفضل . قوله : ( حتى يقيم به ) ، أي : حتى ينقى به الشرك ويثبت التوحيد . قوله : ( الملة العوجاء ) ، هي ملة الرب ، ووصفها بالعوج لما دخل فيها من عبادة الأصنام وتغييرهم ملة إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، عن استقامتها ، وإمالتهم بعد قوامها . والمراد من إقامتها : إخراجها من الكفر إلى الإيمان . قوله : ( أعينا عميا ) ، الأعين جمع عين ، والعمي ، بضم العين جمع عمياء . قال ابن التين : كذا للأصيلي ، يعني : جعل عميا صفة للأعين ، وفي بعض روايات الشيخ أبي الحسن : أعين عمي ، بالإضافة و : عمي ، على هذه الرواية جمع أعمى . قوله : ( وآذانا صما ) كذلك بالروايتين . إحداهما : يكون الصم جمع صماء صفة للآذان ، والأخرى : يكون وآذان صم ، بالإضافة . فعلى هذا يكون الصم جمع أصم . قوله : ( وقلوبا غلفا ) ، وقع في رواية النسفي والمستملي : والغلف ، بضم الغين المعجمة جمع أغلف ، سواء كان مضافا أو غير مضاف ، وترك الإضافة فيه بيِّن ، والآن يجيء تفسيره . تابَعَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبِي سَلَمَةَ عنْ هِلالٍ أي : تابع فليحا عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال في روايته عن عطاء ، وأخرج البخاري هذه المتابعة مسندة ، فقال : حدثنا عبد الله حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال بن أبي هلال عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو بن العاص : إن هذه الآية التي في القرآن : * ( يا أيها النبي إنا أرسلناك . . ) * ( الأحزاب : 54 ) . الحديث . أخرجه في سورة الفتح ، وعبد الله شيخه هو ابن سلمة ، قاله أبو علي بن السكن ، وقال أبو مسعود الدمشقي : هو عبد الله بن محمد بن رجاء ، وقال الجياني : هو عبد الله بن عبد الله بن صالح