انصرف حتى أتى فناء فاطمة ، رضي الله تعالى عنها ، وأخرجه الحميدي في ( مسنده ) عن سفيان ، فقال فيه : حتى إذا أتى فناء بيت عائشة فجلس فيه . والأول أرجح . قوله : ( فقال أثم لكع ؟ ) أي : قال النبي صلى الله عليه وسلم ، وأراد به الحسن ، وقيل : الحسين على ما سيأتي ، والهمزة في : إثم ؟ للاستفهام ، و : ثم ، بفتح الثاء المثلثة : اسم يشار به إلى المكان البعيد وهو ظرف لا يتصرف ، فلذلك غلط من أعربه مفعولاً لرأيت في قوله تعالى : * ( وإذا رأيت ثم رأيت ) * ( الإنسان : 02 ) . ولكع ، بضم اللاَّم وفتح الكاف وبالعين المهملة . قال الأصمعي : الكلع العيس الذي لا يتجه لنظر ولا لغيره ، مأخوذ من الملاكيع ، وهو الذي يخرج مع السلا من البطن . وقال الأزهري : القول قول الأصمعي ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحسن وهو صغير : أين لكع ؟ أراد أنه لصغره لا يتجه لمنطق ولا ما يصلحه ، ولم يرد أنه لئيم ولا عبد ، وعلم منه أن اللئيم يسمى لكعا أيضا ، وكذلك العبد يسمى به . وفي ( التلويح ) الأشبه والأجود أن يحمل الحديث على ما قاله بلال بن جرير الخطفي ، وسئل عن اللكع ؟ فقال : في لغتنا هو الصغير . قال الهروي : وإلى هذا ذهب الحسن ، إذا قال الإنسان : لا يكع ، يريد : يا صغير ويقال للمرأة : لكيعة ولكعاء ولكاع وملكعانة ، ذكره في ( الموعب ) . وقال سيبويه : لا يقال ملكعانة إلاَّ في النداء ، وعن ابن يزيد ، اللكع الغلو ، والأنثى لكعة . وفي ( المحكم ) : اللكع المهر . وفي ( الجامع ) : أصل اللكع من اللكع ولكن قلب . قوله : ( فحسبته شيئا ) أي : فحبست فاطمة الحسن ، أي : منعته من المبادرة إلى الخروج إليه قليلاً . قوله : ( فظننت ) ، قائله أبو هريرة . ( أنها ) ، أي : أن فاطمة ( تلبسه ) بضم التاء من الإلباس أي : تلبس الصغير ( سخابا ) ، بكسر السين المهملة وبالخاء المعجمة الخفيفة وبعد الألف باء موحدة ، قال الخطابي : هي قلادة تتخذ من طيب ليس فيها ذهب ولا فضة . وقال الداودي : من قرنفل . وقال الهروي : هي قلادة من خيط فيها خرز تلبسه الصبيان والجواري ، وروى الإسماعيلي عن ابن أبي عمر أحد رواة هذا الحديث قال : السخاب شيء يعمل من الحنظل كالقميص والوشاح . قوله : ( أو تغسله ) بالتشديد ، وفي رواية الحميدي : ( وتغسله ) بالواو . قوله : ( فجاء يشتد ) أي : يسرع في المشي ، وفي رواية عمر بن موسى عند الإسماعيلي : ( فجاء الحسن أو الحسين ) ، وقد أخرجه مسلم عن ابن أبي عمر ، فقال في روايته : ( أثَمَّ لُكَّعْ ؟ ) يعني : حسنا ، وكذا قال الحميدي في ( مسنده ) ، وسيأتي في اللباس من طريق ورقاء عن عبيد الله بن أبي يزيد بلفظ : ( فقال : أين لكع ؟ أدع لي الحسن بن علي ، فقام الحسن بن علي يمشي ) . قوله : ( حتى عانقه ) ، وفي رواية ورقاء عن عبيد الله بن أبي يزيد بلفظ : ( فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده هكذا ) ، أي : مدها . فقال الحسن بيده هكذا ، فالتزمه قوله : ( اللهم أحبه ) ، بلفظ الدعاء وبالإدغام ، وفي رواية الكشميهني : أحببه ، بفك الإدغام ، وزاد مسلم عن ابن أبي عمر : ( فقال : اللهم إني أحبه فأحبه ) . قوله : ( وأحب ) أمر أيضا . وقوله : ( من يحبه ) ، في محل النصب مفعوله .
ذكر ما يستفاد منه فيه : بيان ما كان الصحابة عليه من توقير النبي صلى الله عليه وسلم والمشي معه . وفيه : ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم عليه من التواضع من الدخول في السوق والجلوس بفناء الدار ورحمته الصغير والمزاح معه ، وقال السهيلي : وكان صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلاَّ حقا ، وههنا أراد تشبيهه بالفلو والمهر ، لأنه طفل ، وإذا قصد بالكلام التشبيه لم يكن إلاَّ صدقا . وفيه : جواز المعانقة وفيها خلاف ، فقال محمد بن سيرين وعبد الله بن عون وأبو حنيفة ومحمد : المعانقة مكروهة ، واحتجوا في ذلك بما رواه الترمذي : حدثنا سويد ، قال : أخبرنا عبد الله ، قال : أخبرنا حنظلة بن عبيد الله ( عن أنس بن مالك ، قال : قال رجل : يا رسول الله ! الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه ، أفينحني له ؟ فقال : لا . قال : أفيلتزمه ويقبله ؟ قال : لا . قال : أفيأخذ بيده ويصافحه ؟ قال : نعم ) . قال الترمذي : هذا حديث حسن . وقال الشعبي وأبو مجلز : لاحق بن حميد وعمرو بن ميمون والأسود بن هلال وأبو يوسف : لا بأس بالمعانقة . وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي : حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، وقال : حدثنا أسد بن عمرو عن مجالد بن سعيد عن عامر عن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال : لما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم من عند النجاشي تلقاني فاعتنقني ، ورجاله ثقات ، ومجالد بن سعيد وثقه النسائي ، وروى له الأربعة ، وروى الطحاوي عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يتعانقون ، قال : فدل ذلك على أن ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إباحة المعانقة كان متأخرا عما روي عنه من النهي عن ذلك ، وفي ( التلويح ) : معانقته صلى الله عليه وسلم للحسن إباحة ذلك ،
عمدة القاري — صفحة 240
مساهمون: العيني
ص٢٤٠