تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
هذا الحديث وغيره أنه كان حين كان حكم الكلاب أن تقتل ، وكان لا يحل إمساكها ، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة ، فما كان على هذا الحكم فثمنه حرام ، ثم لما أبيح الانتفاع بالكلاب للاصطياد ونحوه ، ونهى عن قتلها ، نسخ ما كان من النهي عن بيعها وتناول ثمنها . فإن قلت : ما وجه هذا النسخ ؟ قلت : ظاهر ، لأن الأصل في الأشياء الإباحة ، فلما ورد النهي عن اتخاذها ورد الأمر بقتلها علمنا أن اتخاذها حرام ، وأن بيعها حرام ، وما كان الانتفاع به حراما فثمنه حرام كالخنزير ، ثم لما وردت الإباحة بالانتفاع بها للاصطياد ونحوه ، وورد النهي عن قتلها ، علمنا أنما كان قبل من الحكمين المذكورين قد انتسخ بما ورد بعده ، ولا شك أن الإباحة بعد التحريم نسخ لذلك التحريم ، ورفع لحكمه . الثالث : فيه النهي عن ثمن الدم ، وهو أجرة الحجامة . فقال الأكثرون : النهي فيه على التنزيه على المشهور ، وذلك لأنه ، صلى الله عليه وسلم ، احتجم وأعطى الحجام أجره ، ولو كان حراما لم يعطه . ونقل ابن التين عن كثير من العلماء أنه جائز من غير كراهة ، كالبناء والخياط وسائر الصناعات . وقالوا : يعني نهيه عن ثمن الدم ، أي : السائل الذي حرمه الله . وقال أبو حنيفة ، رضي الله تعالى عنه : أجرة الحجام من ذلك ، أي : لا يجوز أخذه ، وهو قول أبي هريرة والنخعي ، واعتلوا بأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن مهر البغي وكسب الحجام ، فجمع بينهما . ومهر البغي حرام إجماعا ، فكذلك كسب الحجام . وأما الذين حملوا النهي على التنزيه فاستدلوا أيضا بقوله لمحيصة : أعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك . وقال آخرون : يجوز للمحتجم إعطاء الحجام الأجرة ولا يجوز للحجام أخذها ، رواه ابن جرير عن أبي قلابة ، وعلته أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الحجام أجرا ، فجائز لهذا الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أفعاله ، وليس للحجام أخذها للنهي عن كسبه . وبه قال ابن جرير ، إلاَّ أنه قال : إن أخذ الأجرة رأيت له أن يعلف به ناضحه ومواشيه ولا يأكله ، فإن أكله لم أرَ بأكله حراما . وفي ( شرح المهذب ) : قال الأكثرون لا يحرم أكله لا على الحر ولا على العبد ، وهو مذهب أحمد المشهور ، وفي رواية عنه ، وقال بها فقهاء المحدثين يحرم على الحر دون العبد لحديث محيصة المذكور . الرابع : في النهي عن فعل الواشمة والموشومة ، لأنه من عمل الجاهلية ، وفيه تغيير لخلق الله تعالى ، وروى الترمذي من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( لعن الله الواصلة والمستوصلة ، والواشمة والمستوشمة ) ، قال نافع : الوشم في اللثة ، وأخرجه البخاري أيضا في اللباس على ما سيأتي ، إن شاء الله تعالى ، وعن عبد الله ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الواشمات والمستوشمات والمتنمصات مبتغيات للحسن مغيرات خلق الله ) ، أخرجه الجماعة . الخامس : آكل الربا وموكله ، وإنما اشتركا في الإثم ، وإن كان الرابح أحدهما لأنهما في الفعل شريكان ، وسيأتي في آخر البيوع وفي آخر الطلاق أنه : لعن آكل الربا وموكله . السادس : في التصوير ، وهو حرام بالإجماع ، وفاعله يستحق اللعنة ، وجاء أنه يقال للمصورين يوم القيامة : أحيوا ما خلقتم . وظاهر الحديث العموم ، ولكن خفف منه تصوير ما لا روح فيه : كالشجر ، ونحوه . 62 ( ( بابٌ * ( يمْحَقُ الله الرِّبَا ويُرْبي الصَّدَقاتِ والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أثِيم 1764 ; ) * ( البقرة : 672 ) . ) ) أي : هذا باب يذكر فيه قوله تعالى : * ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات ) * ( البقرة : 672 ) . الآية . ويمحق : من محق يمحق محقا من باب فعل يفعل بفتح العين فيهما ، والمحق النقصان وذهاب البركة . وقيل : هو أن يذهب كله حتى لا يرى منه أثر . ومنه : * ( يمحق الله الربا ) * ( البقرة : 672 ) . أي : يستأصله ويذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه . وفي تفسير الطبري عن ابن مسعود : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( الربا وإن كثر فإلى قل ) . وقال المهلب : سئل بعض العلماء ، وقيل : نحن نرى صاحب الربا يربو ماله ، وصاحب الصدقة إنما كان مقلاً . فقال : يربي الصدقات ، يعني : أن صاحبها يجدها مثل أحد يوم القيامة ، وصاحب الربا يجد عمله ممحوقا إن تصدق به أو وصل رحمه ، لأنه لم يكتب له بذلك حسنة ، وكان عليه إثم الربا . وقال ابن بطال : وقالت طائفة إن الربا يمحق في الدنيا والآخرة على عموم اللفظ . وقال عبد الرزاق عن معمر : أنه قال : سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الربا أربعون سنة حتى يمحق . قوله : * ( يربي الصدقات ) * ( البقرة : 672 ) . أي : يزيدها من الإرباء . قال الطبري : الإرباء : الزيادة على الشيء . يقال منه : أربى فلان على فلان إذا زاد عليه ، وقرئ : ويربِّي ، بضم الياء وفتح الراء وكسر الباء المشددة من التربية ، كما في ( الصحيح ) : ( من تصدق بعدل تمرة . . . ) الحديث ، وفيه : ( ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى يكون مثل الجبل ) . وفي