تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
قاله الكرماني . قلت : وجه النصب على أنه مفعول ترون مقدما ، ووجه الرفع ، وفي رواية مالك : ( آلبر تقولون بهن ؟ ) أي : تظنون ، والقول يطلق على الظن ، ووقع في رواية الأوزاعي : ( آلبر أردن بهذا ؟ ) وفي رواية ابن فضيل : ( ما حملهن على هذا ؟ آلبر ؟ انزعوها فلا أراها ، فنزعت ) . وكلمة : ما ، استفهامية . وقوله : ( آلبر ؟ ) بهمزة الاستفهام مرفوع على الابتداء وخبره محذوف تقديره : آلبر يردنه ؟ قوله : ( فلا أراها ) الفاء يجوز أن تكون زائدة أي : لا أرى الأخبية المذكورة . وقال ابن التين : الصواب حذف الألف من : أراها ، لأنه مجزوم . قلت : ليس كذلك ، لأنه نفي وليس بنهي . قوله : ( فترك الاعتكاف ) ، وفي رواية أبي معاوية : ( فأمر بخبائه فقوض ) ، بضم القاف وتشديد الواو المكسورة وفي آخره ضاد معجمة ، أي : نقض . وقال القاضي عياض : إنما قال صلى الله عليه وسلم هذا الكلام إنكارا لفعلهن ، لأنه خاف أن يكن مخلصات في الاعتكاف ، بل أردن القرب منه المباهاة به ، ولأن المسجد يجمع الناس ويحضره الأعراب والمنافقون ، وهن محتاجات إلى الدخول والخروج فيبتذلن بذلك ، ولأنه صلى الله عليه وسلم إذا رآهن عنده في المسجد فصار كأنه في منزله بحضوره مع أزواجه ، وذهب المقصود من الاعتكاف ، وهو التخلي عن الأزواج ومتعلقات الدنيا ، أو لأنهن ضيقن المسجد بأخبيتهن ونحوها . قوله : ( فترك الاعتكاف . . ) إلى آخره ، وفي رواية ابن فضيل : ( فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال ) . وفي رواية أبي معاوية : ( حتى اعتكف في العشر الأول من شوال ) ، والتوفيق بين الروايتين هو أن المراد بقوله : ( آخر العشر من شوال ) انتهاء اعتكافه ، وقال الإسماعيلي : فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم ، لأن أول شوال هو يوم الفطر ، وصومه حرام . قلت : ليس فيه دليل لما قاله ، لأن المراد من قوله : ( اعتكف في العشر الأول ) ، أي : كان ابتداؤه في العشر الأول ، فإذا اعتكف من اليوم الثاني من شوال يصدق عليه أنه ابتدأ في العشر الأول ، واليوم الأول منه يوم أكل وشرب ، ويقال ، كما ورد في الحديث : والاعتكاف هو التخلي للعبادة فلا يكون اليوم الأول محلاً له بالحديث . ذكر ما يستفاد منه فيه : في قوله : ( فيصلي الصبح ثم يدخله ) احتجاج من يقول يبدأ بالاعتكاف من أول النهار ، وبه قال الأوزاعي والليث في أحد قوليه ، واختاره ابن المنذر ، وذهبت الأربعة والنخعي إلى جواز دخوله قبيل الغروب إذا أراد اعتكاف عشر أو شهر ، وأولوا الحديث على أنه دخل المعتكف وانقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح ، لأن ذلك في وقت ابتداء الاعتكاف أول الليل ، ولم يدخل الخباء إلاَّ بعد ذلك ، وقال أبو ثور : إن أراد الاعتكاف عشر ليالي دخل قبل الغروب . وهل يبيت ليلة الفطر في معتكفه ولا يخرج منه إلاَّ إذا خرج لصلاة العيد فيصلي ؟ وحينئذ يخرج إلى منزله ، أو يجوز له أن يخرج عند الغروب من آخر يوم من شهر رمضان ؟ قولان للعلماء : الأول : قول مالك وأحمد وغيرهما ، وسبقهم أبو قلابة وأبو مجلز . واختلف أصحاب مالك إذا لم يفصل هل يبطل اعتكافه أم لا يبطل ؟ قولان ، وذهب الشافعي والليث والزهري والأوزاعي في آخرين : إلى أنه يجوز خروجه ليلة الفطر ، ولا يلزمه شيء . وفيه : أن المسجد شرط للاعتكاف ، لأن النساء شرع لهن الاحتجاب في البيوت ، فلو لم يكن المسجد شرطا ما وقع ما ذكر من الإذن والمنع ، وقال إبراهيم بن عبلة في قوله : ( آلبر يردن ؟ ) دلالة على أنه ليس لهن الاعتكاف في المسجد ، إذ مفهومه ليس ببر لهن . وقال بعضهم : وليس ما قاله بواضح قلت : بلى ، هو واضح لأنه إذا لم يكن برا لهن يكون فعله غير بر ، أي : غير طاعة ، وارتكاب غير الطاعة حرام ، ويلزم من ذلك عدم الجواز . وفيه : جواز ضرب الأخبية في المسجد . وفيه : شؤم الغيرة لأنها ناشئة عن الحسد المفضي إلى ترك الأفضل لأجله . وفيه : ترك الأفضل إذا كان فيه مصلحة ، وأن من خشي على عمله الرياء جاز له تركه وقطعه . وقال بعضهم : وفيه : أن الاعتكاف لا يجب بالنية ، وأما قضاؤه صلى الله عليه وسلم له فعلى طريق الاستحباب ، لأنه كان إذا عمل عملاً أثبته ، ولهذا لم ينقل أن نساءه اعتكفن معه في شوال . انتهى . قلت : قوله : ( إن الاعتكاف لا يجب بالنية ، ليس بمقتصر على الاعتكاف ، بل كل عمل ينوي الشخص أن يعمله لا يلزمه بمجرد النية : بل إنما يلزمه بالشروع ) . وقال الترمذي : اختلف