تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
استحباب إحياء لياليه بالعبادات . قال : وأما قول أصحابنا : يكره قيام الليل ، فمعناه الدوام عليه ، ولم يقولوا بكراهة ليلة وليلتين والعشر ، ولهذا ، اتفقوا على استحباب إحياء ليلتي العيد وغير ذلك . قوله : ( وأيقظ أهله ) أي : للصلاة والعبادة ، وروى الترمذي من حديث علي ، رضي الله تعالى عنه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان ) . وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وروى أيضا من حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، قالت : ( كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها ) وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وروى محمد بن نصر من حديث زينب بنت سلمة : ( لم يكن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحدا من أهله يطيق القيام إلاَّ أقامه . 33 ( ( كِتَابُ الاعتِكَافُ ) ) أي : هذا كتاب في بيان الاعتكاف وأحواله ، وهذا بالبسملة ، ولفظ : الكتاب ، في رواية النسفي ، ولم يقع هذا في رواية غيره إلاَّ في رواية المستملي ، وقعت البسملة بعد قوله : أبواب الاعتكاف ، وهو في اللغة : اللبث مطلقا . ويقال : الاعتكاف والعكوف : الإقامة على الشيء ، وبالمكان ولزومها في اللغة ، ومنه يقال لمن لازم المسجد : عاكف ومعتكف ، هكذا ذكره ابن الأثير . في ( النهاية ) . وفي ( المغني ) : هو لزوم الشيء وحبس النفس عليه برا كان أو غيره ، ومنه قوله تعالي : * ( ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ) * ( الأنبياء : 25 ) . وقوله تعالى : * ( يعكفون على أصنام لهم ) * ( الأعراف : 831 ) . وقوله تعالى : * ( وانظر إلى إلاهك الذي ظلت عليه عاكفا ) * ( طه : 79 ) . وفي الشرع : الاعتكاف الإقامة في المسجد واللبث فيه على وجه التقرب إلى الله تعالى على صفة يأتي ذكرها ، قال الجوهري : عكفه أي : حبسه ، يعكفه بضم عينها وكسرها عكفا ، وعكف على الشيء يعكف عكوفا ، أي : أقبل عليه مواظبا يستعمل لازما ، فمصدره عكوف ، ومتعديا فمصدره عكف ، والاعتكاف مستحب . قاله في بعض كتب أصحابنا . وفي ( المحيط ) : سنة مؤكدة . وفي ( المبسوط ) : قربة مشروعة . وفي ( منية المفتي ) : سنة . وقيل : قربة . وفي ( التوضيح ) : قام الإجماع على أن الاعتكاف لا يجب إلاَّ بالنذر . فإن قلت : كان الزهري يقول : عجبا من الناس كيف تركوا الاعتكاف ، ورسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كان يفعل الشيء ويتركه ، وما ترك الاعتكاف حتى قبض قلت : قال أصحابنا : إن أكثر الصحابة لم يعتكفوا . وقال مالك : لم يبلغني أن أبا بكر وعمر وعثمان وابن المسيب ، ولا أحدا من سلف هذه الأئمة اعتكف ، إلاَّ أبا بكر بن عبد الرحمن ، وأراهم تركوه لشدته ، لأن ليله ونهاره سواء ، وفي ( المجموعة ) للمالكية : تركوه لأنه مكروه في حقهم ، إذ هو كالوصال المنهي ، وأقل الاعتكاف نفلاً يوم عند أبي حنيفة ، وبه قال مالك ، وعند أبي يوسف : أكثر اليوم ، وعند محمد : ساعة ، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية . وحكى أبو بكر الرازي عن مالك : أن مدة الاعتكاف عشرة أيام . فيلزم بالشروع ذلك ، في ( الجلاب ) : أقله يوم ، والاختيار عشرة أيام . وفي ( الإكمال ) : استحب مالك أن يكون أكثره عشرة أيام ، وهذا يرد نقل الرازي عنه . وقال أبو البركات بن تيمية الحنبلي : وقالت الأئمة الأربعة وأتباعهم : الصوم من شرط الاعتكاف الواجب ، وهو مذهب علي وابن عمر وابن عباس وعائشة والشعبي والنخعي ومجاهد والقاسم بن محمد ونافع وابن المسيب والأوزاعي والزهري والثوري والحسن بن حي . وقال عبد الله بن مسعود وطاووس وعمر بن عبد العزيز وأبو ثور وداود وإسحاق وأحمد ، في رواية : إن الصوم ليس بشرط في الواجب والنفل ، وبه قال الشافعي وأحمد ، وما ذكره أبو البركات قول قديم للشافعي ، واحتجوا بما روي عن ابن عباس أنه قال : ليس على المعتكف صوم إلاَّ أن يجعله على نفسه ، ورواه الدارقطني ، قال : ورفعه أبو بكر محمد بن إسحاق السوسي وغيره . لا يرفعه ، وهو شيخ الدارقطني ، لكنه خالف الجماعة في رفعه مع أن النافي لا يحتاج إلى دليل ، واحتجت الطائفة الأولى بحديث عائشة الذي رواه أبو داود ، وفيه : لا اعتكاف إلاَّ بصوم ، والمراد به الاعتكاف في الواجب . وعند الحنفية : الصوم شرط لصحة الواجب منه رواية واحدة ، ولصحة التطوع فيما روى الحسن عن أبي حنيفة ، فلذلك قال : أقله يوم ، والمراد به الاعتكاف مطلقا عند أصحابنا ، لأن من شرط الاعتكاف الصوم مطلقا . فإن قلت : روى البخاري على ما يأتي : ( أن عمر