سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال : كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ؟ قال : فأوف بنذرك ) ، فهذا يدل على جواز الاعتكاف بغير صوم ، لأن الليل لا يصلح ظرفا للصوم . قلت : عند مسلم يوما بدل ليلة ، وأيضا روى النسائي ( أن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، قال : يا رسول الله ! إني نذرت أن أعتكف في الجاهلية ، فأمره رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أن يعتكف ويصوم ) . وأيضا هذا محمول على أنه كان نذر يوما وليلة ، بدليل أن في لفظ مسلم عن ابن عمر : أنه جعل على نفسه يوما يعتكفه ، فقال ، صلى الله عليه وسلم : أوف بنذرك . وقال ابن بطال : أصل الحديث : قال عمر : إني نذرت أن أعتكف يوما وليلة في الجاهلية ، فنقل بعض الرواة ذكر الليلة وحدها ، ويجوز للراوي أن ينقل بعض ما سمع . وفي ( الذخيرة ) : أن الصوم كان في أول الإسلام بالليل ، ولعل ذلك كان قبل نسخه . وقال النووي : قد تقرر أن النذر الجاري في الكفر لا ينعقد على الصحيح ، فلم يكن ذلك شيئا واجبا عليه ، وقال المهلب : كل ما كان في الجاهلية من الأيمان والطلاق وجميع العقود يهدمها الإسلام ويسقط حرمتها ، فيكون الأمر بذلك أمر استحباب كيلا يكون خلفا في الوعد . وقال ابن بطال : محمول عند الفقهاء على الحض والندب لأن الإسلام يجبُّ ما قبله .
( ( أبْوَابُ الإعْتِكَافِ ) )
أي : هذه أبواب الاعتكاف ، هكذا هو في رواية المستملي ، وليس لغيره ذلك إلاَّ لفظ : كتاب في الاعتكاف ، في رواية النسفي ، والمراد بالأبواب : الأنواع ، لأن في كل باب نوعا من أحكام الاعتكاف ، وقد ذكرنا فيما مضى أن الكتاب يجمع الأبواب ، والأبواب تجمع الفصول .
1
( ( بابُ الإعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ ) )
أي : هذا باب في بيان الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان ، وقد ورد الاعتكاف بلفظ المجاورة . ففي الصحيح من حديث أبي سعيد : ( كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يجاور في العشر الأوسط من رمضان . . . ) الحديث . وفي ( الصحيح ) : في قصة بدء الوحي أنه كان يجاور بحراء .
وقد اختلفوا : هل المجاورة الاعتكاف أو غيره ؟ فقال عمرو بن دينار : الجوار والاعتكاف واحد ، وسئل عطاء بن أبي رباح : أرأيت الجوار والاعتكاف ؟ أمختلفان هما أو شيء واحد ؟ قال : بل هما مختلفان ، كانت بيوت النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في المسجد . فلما اعتكف في شهر رمضان خرج من بيوته إلى بطن المسجد فاعتكف فيه ، قلت له : فإن قال إنسان : علي اعتكاف أيام ، ففي جوفه لا بد ؟ قال : نعم ، وإن قال : علي جوار أيام فبابه أو في جوفه ، إن شاء . هكذا رواه عبد الرزاق في ( المصنف ) : عنهما ، قال شيخنا : وقول عمرو بن دينار هو الموافق للأحاديث ، ولما ذكر صاحب ( الإكمال ) حد الاعتكاف قال : ويسمى أيضا جوارا .
والاعْتِكافِ فِي المَسَاجِدِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ تَعالَى : * ( ولاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله آيَاتهِ للنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) * ( البقرة : 781 ) .
والاعتكاف ، بالجر : عطفا على لفظ : الاعتكاف الأول ، وقيده بالمساجد لأنه لا يصح في غير المساجد ، وجمع المساجد وأكدها بلفظ كلها إشارة إلى أن الاعتكاف لا يختص بمسجد دون مسجد ، وفيه خلاف . فقال حذيفة : لا اعتكاف إلاَّ في المساجد الثلاثة : مسجد مكة والمدينة والأقصى . وقال سعيد بن المسيب : لا اعتكاف إلاَّ في مسجد نبي ، وفي ( الصوم ) لابن أبي عاصم بإسناده إلى حذيفة : لا اعتكاف إلاَّ في مسجد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . وروى الحارث عن علي ، رضي الله تعالى عنه : لا اعتكاف إلاَّ في المسجد الحرام ومسجد المدينة .
وذهب هؤلاء إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد ، وهو ما بناه نبي ، لأن الآية نزلت على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهو معتكف في مسجده ، فكان القصد والإشارة إلى نوع تلك المساجد مما بناه نبي . وذهبت طائفة إلى أنه لا يصح الاعتكاف إلاَّ في مسجد تقام فيه الجمعة ، روي ذلك عن علي وابن مسعود وعروة وعطاء والحسن والزهري ، وهو قول مالك في ( المدونة ) : قال : أما من تلزمه الجمعة فلا يعتكف إلاَّ في الجامع . وقالت : طائفة :
عمدة القاري — صفحة 141
مساهمون: العيني
ص١٤١