تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
قوله : ( فقال للقوم : كلوا ) ، هذا أمر إباحة لا أمر إيجاب ، قال بعضهم : لأنها وقعت جوابا عن سؤالهم عن الجواز لا عن الوجوب ، فوقعت الصيغة على مقتضى السؤال . قلت : الأوجه أن يقال : إن هذا الأمر إنما كان لمنفعة لهم ، فلو كان للوجوب لصار عليهم ، فكان يعود إلى موضوعه بالنقض . وفيه من الفوائد : أن لحم الصيد مباح للمحرم إذا لم يعن عليه وقال القشيري اختلف الناس في أكل المحرم لحم الصيد على مذاهب . أحدها : أنه ممنوع مطلقا صيد لأجله أو لا ، وهذا مذكور عن بعض السلف ، دليله حديث الصعب بن جثامة . الثاني : ممنوع إن صاده أو صيد لأجله ، سواء كان بإذنه أو بغير إذنه ، وهو مذهب مالك والشافعي . الثالث : إن كان باصطياده أو بإذنه أو بدلالته حرم عليه ، وإن كان على غير ذلك لم يحرم ، وإليه ذهب أبو حنيفة . وقال ابن العربي : يأكل ما صيد وهو حلال ، ولا يأكل ما صيد بعد . وحديث أبي قتادة هذا يدل على جواز أكله في الجملة ، وعزى صاحب ( الإمام ) إلى النسائي من حديث أبي حنيفة عن هشام عن أبيه عن جده الزبير ، قال : ( كنا نحمل الصيد صفيفا ونتزوده ونحن محرمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، رواه الحافظ أبو عبد الله البلخي في ( مسند أبي حنيفة ) من هذا الوجه عن هشام ، ومن جهة إسماعيل بن يزيد عن محمد بن الحسن عن أبي حنيفة ، رضي الله تعالى عنه ، وروى أبو يعلى الموصلي في ( مسنده ) من حديث محمد بن المنكدر : حدثنا شيخ لنا ( عن طلحة بن عبد الله أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن محل آثار الصيد أيأكله المحرم ؟ قال : نعم ) . وفي رواية مسلم : ( أهدى لطلحة طائر وهو محرم فقال : أكلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وعند الدارقطني : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أعطاه حمار وحش وأمره أن يفرقه في الرقاق ) . قال : ويروى عن طلحة والزبير وعمر وأبي هريرة ، رضي الله تعالى عنهم ، فيه رخصة . ثم قال : عائشة تكرهه وغير واحد ، وروى الحاكم على شرطهما من حديث جابر يرفعه : ( لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد لكن ) . قال مهنىء : ذكر أبو عبد الله ، يعني : أحمد بن حنبل ، هذا الحديث فقال : إليه أذهب ، ولما ذكر له حديث عبد الرزاق عن الثوري عن قيس عن الحسن بن محمد عن عائشة : ( أهدى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وشيقة لحم وهو محرم فأكله ) ، فجعل أبو عبد الله ينكره إنكارا شديدا ، وقال : سماع مثلاً ، هكذا ذكره صاحب التلويح بخطه ، وفيه : فأكله . قلت : روى الطحاوي هذا الحديث ، فقال : حدثنا يونس ، قال ، حدثنا سفيان عن عبد الكريم عن قيس بن مسلم الجدلي عن الحسن بن محمد بن علي عن عائشة : ( أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أهدى له وشيقة ظبي وهو محرم فرده ) ، ورواه أيضا أحمد في ( مسنده ) : حدثنا عبد الرزاق أخبرنا الثوري عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد ( عن عائشة قالت : أهدي لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ظبية فيها وشيقة صيد ، وهو حرام فأبى أن يأكله ) . انتهى . وهذا يخالف ما ذكره صاحب ( التلويح ) فإن في لفظه : ( فأكله ) ، والطحاوي لم يذكر هذا الحديث إلاَّ في صدد الاحتجاج لمن قال : لا يحل للمحرم أن يأكل لحم صيد ذبحه حلال ، لأن الصيد نفسه حرام عليه ، فلحمه أيضا حرام عليه ، فإذا كان الحديث على ما ذكره صاحب ( التلويح ) : لا يكون حجة لهم ، بل إنما يكون حجة لمن قال بجواز أكل المحرم صيد المحل ، والذين منعوا من ذلك للمحرم هو الشعبي وطاووس ومجاهد وجابر بن زيد والثوري والليث بن سعد ومالك في رواية ، وإسحاق في رواية . قوله : ( وشيقة ظبي ) . الوشيقة : أن يؤخذ اللحم فيغلى قليلاً ولا ينضج ويحمل في الأسفار ، وقيل : هي القديد ، وقد وشقت اللحم أشقه وشقا ، ويجمع على وشق ووشائق . وذكر الطحاوي أيضا أحاديث أخر لهؤلاء المانعين . منها : ما قاله : حدثنا ربيع المؤذن قال : حدثنا أسد ( ح ) وحدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج ، قالا : حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عبد الله ابن الحارث بن نوفل : أن عثمان بن عفان ، رضي الله تعالى عنه ، نزل قديدا ، فأتي بالحجل في الجفان شائلة بأرجلها ، فأرسل إلي علي ، رضي الله تعالى عنه ، وهو يضفز بعيرا له ، فجاءه والخيط يتحات من يديه ، فأمسك علي وأمسك الناس ، فقال علي ، رضي الله تعالى عنه : من ههنا من أشجع ؟ هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه أعرابي ببيضات نعام وتتمير وحش ، فقال : أطعمهن أهلك فإنا حرم ؟ قالوا : نعم ) . وأخرج أبو داود حدثنا محمد بن كثير . قال : أخبرنا سليمان بن كثير عن حميد الطويل ( عن إسحاق ابن عبد الله بن الحارث عن أبيه ، وكان الحارث خليفة عثمان ، رضي الله تعالى عنه ، على الطائف ، فصنع لعثمان طعاما وصنع