تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
القضية على الفرع ، وقد أحرم أصحابي غيري فرأيت حمارا . . . الحديث ، وقال أبو عمر : كان ذلك عام الحديبية أو بعده بعام ، عام القضية . قوله : ( فأحرم أصحابه ) أي : أصحاب أبي قتادة ، وفي رواية مسلم : ( أحرم أصحابي ولم أحرم ) وقال الأثرم : كنت أسمع أصحاب الحديث يتعجبون من حديث أبي قتادة ، ويقولون : كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات غير محرم ، ولا يدرون ما وجهه حتى رأيته مفسرا في رواية عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري قلت : روى الطحاوي ، رحمه الله ، حديث أبي سعيد الخدري فقال : حدثنا ابن أبي داود حدثنا عياش بن الوليد الرقام حدثنا عبد الأعلى عن عبيد الله عن عياض بن عبد الله ( عن أبي سعيد الخدري ، قال : بعث النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أبا قتادة الأنصاري على الصدقة ، وخرج رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه وهم محرمون حتى نزلوا عسفان ، فإذا هم بحمار وحش ، قال : وجاء أبو قتادة وهو حل ، فنكسوا رؤوسهم كراهة أن يحدوا أبصارهم ، فتفطن ، فرآه فركب فرسه وأخذ الرمح ، فسقط منه فقال : ناولونيه ، فقالوا : ما نحن بمعينك عليه بشيء ، فحمل عليه فعقره ، فجعلوا يشوون منه ، ثم قالوا : رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بين أظهرنا . قال : وكان يتقدمهم فلحقوه فسألوه ، فلم ير بذلك بأسا ) . وأخرجه البزار أيضا . قوله : ( على الصدقة ) أي : على أخذ الزكوات ، وقال القشيري في الجواب عن عدم إحرام أبي قتادة ، يحتمل أنه لم يكن مريدا للحج ، أو أن ذلك قبل توقيت المواقيت ، وزعم المنذري أن أهل المدينة أرسلوه إلى سيدنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يعلمونه أن بعض العرب ينوي غزو المدينة . وقال ابن التين : يحتمل أنه لم ينو الدخول إلى مكة ، وإنما صحب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ليكثر جمعه ، وقال أبو عمر : يقال : إن أبا قتادة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه على طريق البحر مخافة العدو ، فلذلك لم يكن محرما إذا اجتمع مع أصحابه ، لأن مخرجهم لم يكن واحدا . انتهى . قلت : أحسن الأجوبة ما ذكر في حديث أبي سعيد الخدري ، رضي الله تعالى عنه . قوله : ( وحدث ) ، على صيغة المجهول . قوله : ( يغزوه ) أي : يقصدوه . قوله : ( فبينا ) ويروى : ( فبينما ) . قوله : ( يضحك بعضهم إلى بعض ) ، جملة حالية ، ووقع في رواية العذري في مسلم : ( فجعل بعضهم يضحك إلي ) بتشديد الياء في : إلي ، قال عياض : هو خطأ وتصحيف وإنما سقطت عليه لفظة : بعض ، واحتج لضعفها بأنهم لو ضحكوا إليه لكان أكبر إشارة منهم ، وقد صرح في الحديث أنهم لم يشيروا إليه ، وقال النووي : لا يمكن رد هذه الرواية ، فقد صحت هي والرواية الأخرى ، وليس في واحدة منهم دلالة ولا إشارة إلى الصيد ، وأن مجرد الضحك ليس فيه إشارة منهم ، وإنما كان ضحكهم من عروض الصيد ولا قدرة لهم عليه ومنعهم منه ، وكذا قال ابن التين ، يريد أنهم لم يخبروه بمكان الصيد ولا أشاروا إليه . وفي الحديث ما يقتضي أن ضحكهم ليس بدلالة ولا إشارة ، بيَّن ذلك في حديث عثمان بن موهب ، فقال : ( أمنكم أحد أشار إليه ؟ قالوا : لا ) . فإن قلت : ما معنى : إلى ، في قوله : ( إلى بعض ) ؟ قلت : معناه منتهيا أو ناظرا إليه . قوله : ( فنظرت ) ، فيه التفات ، فإن الأصل أن يقال : فنظر ، لقوله : ( فبينا أبي مع أصحابه ) ، فالتقدير : قال أبي : فنظرت ، فإذا أنا بحمار وحش ، وهذه الرواية تقتضي أن رؤيته إياه متقدمة ، ورواية أبي حازم عن عبد الله بن أبي قتادة تقتضي أن رؤيتهم إياه قبل رؤيته ، فإن فيها : ( فأبصروا حمارا وحشيا وأنا مشغول أخصف نعلي ، فلم يؤذنوني به ، وأحبوا لو أني أبصرته ، والتفت فأبصرته ) . قوله : ( فحملت عليه ) ، وفي رواية محمد بن جعفر : ( فقمت إلى الفرس فأسرجته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح ، فقلت لهم : ناولوني السوط والرمح ، فقالوا : لا والله لا نعينك عليه بشيء ، فغضبت فنزلت فأخذتهما ، ثم ركبت ) . وفي رواية فضيل ابن سليمان : ( فركب فرسا له يقال له الجرادة ، فسألهم أن يناولوه سوطه فأبوا ) . وفي رواية أبي النضر : ( وكنت نسيت سوطي ، فقلت لهم : ناولوني بسوطي ، فقالوا : لا نعينك عليه ، فنزلت فأخذته ) . قوله : ( فأثبته ) ، أي : تركته ثابتا في مكانه لا يفارقه ولا حراك به ، وفي رواية أبي حازم : ( فشددت على الحمار فعقرته ، ثم جئت به وقد مات ) . وفي رواية أبي النضر : ( حتى عقرته فأتيت إليهم فقلت لهم ، قوموا فاحتملوا ، فقالوا : لا نمسه ، فحملته حتى جئتهم به ) . ( فأكلنا من لحمه ) ، وفي رواية فضيل عن أبي حازم : ( فأكلوا فندموا ) ، وفي رواية محمد بن جعفر عن أبي حازم : ( فوقعوا يأكلون منه ، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم ، فرحنا وخبؤت العضد معي ) ، وفي رواية مالك عن أبي النضر : ( فأكل منه بعضهم وأبى بعضهم ) . وفي حديث أبي سعيد : ( فجعلوا يشوون منه ) ، وفي رواية المطلب عن أبي قتادة عند سعيد بن منصور : ( فظللنا نأكل