فالظاهر : أنها كلمة تقال عند الشدة والهلكة ، أو شدة التعجب مما يشبه المستبعد .
والذي يشهد له القرآن : هو هذا المعنى ، وسبب الخلاف قد يرجع لمجيئها تارة مطلقة كقوله : * ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) * ، وهنا * ( وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ) * .
ويجيء مع ذكر ما يتوعد به كقوله : * ( فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ ) * ، وقوله : * ( فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) * ، فذكر النار والعذاب الأليم .
وكذلك قوله : * ( فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) * ، فهي في هذا كله للوعيد الشديد ، مما ذكر معها من النار والعذاب الأليم ومشهد يوم عظيم ، وليست مقصودة بذاتها دون ما ذكر معها ، والعلم عند الله تعالى .
وقوله : * ( هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ) * ، قيل : هما بمعنى واحد ، وهو الغيبة .
وأنشد ابن جرير قول زياد الأعجم : وأنشد ابن جرير قول زياد الأعجم :
* تدلى بودي إذا لاقيتني كذبا
* وإن أغيب فأنت الهامز الهمزة
*
وعزا هذا لابن عباس ، وهو الذي يصيب الناس ويطعن فيهم .
وقد جاء في القرآن استعمال كل من الكلمتين مفردة عن الأخرى ، بما يدل على المغايرة .
ففي الهمزة قوله : * ( وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّآءِ بِنَمِيمٍ ) * ، مما يدل على الكذب والنميمة .
وفي الهمزة قوله تعالى : * ( وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالاٌّ لْقَابِ ) * .
وقوله : * ( وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ) * ، مما يدل على أنها أقرب للتنقص والعيب في الحضور لا في الغيبة ، فتغاير الهمز في المعنى ، وفي الصفة ، والجمع بينهما جمع بين القبيحين ، فكان مستحقًا لهذا الوعيد الشديد بكلمة ويل .
وقد قيل : الهمز باليد : وقيل : باللسان في الحضرة ، والهمز في الغيبة .
أضواء البيان — صفحة 100
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص١٠٠