بد في هذا البعض من مزيد مزية للمعنى المساق فيه الكلام .
فمثلاً هنا ذم الكذب وأخذ الكاذب بكذبه ، فجاء ذكر الناصية وهي مقدم شعر الرأس ، لأنها أشد نكارة على صاحبها ونكالاً به ، إذ الصدق يرفع الرأس والكذب ينكسه ذلة وخزياً .
فكانت هي هنا أنسب من اليد أو غيرها ، بينما في أبي لهب تطاول بماله ، والغرض مذمة ماله وكسبه الذي تطاول به ، واليد هي جارحة الكسب وآلة التصرف في المال ، فكانت اليد أولى فيه من الناصية .
وهكذا كما يقولون : بث الأمير عيونه : يريدون جواسيس له ، لأن العين من الإنسان أهم ما فيه لمهمته تلك . ولم يقولوا : بث أرجله ولا رؤوساً ولا أيد ، لأنها كلها ليست كالعين في ذلك .
ومن هذا القبيل * ( قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ) * ، * ( ياأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) * .
لأن القلب هو مصدر الخوف والنفس هي محط الطمأنينة ، على أن النفس جزء من الإنسان ، وهكذا ، ومنه الآتي * ( وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب ) * ، أطلق السجود وأراد الصلاة ، لأن السجود أخص صفاتها . * ( وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب ) * . ربط بين السجود والاقتراب من الله كما قال : * ( وَمِنَ الَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ) * وقوله : في وصف أصحابه رضي الله عنهم : * ( تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ) * ، فقوله : * ( يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ) * ، في معنى يتقربون إليه يبين قوله : * ( وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب ) * .
وهذا مما يدل لأول وهلة أن الصلاة أعظم قربة إلى اللَّه ، حيث وجه إليها الرسول صلى الله عليه وسلم من أول الأمر ، كما بين تعالى في قوله : * ( وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَواةِ ) * .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد ) .
أضواء البيان — صفحة 29
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٢٩