* ( مَلِكِ النَّاسِ ) * ، في مجيء ملك الناس بعد رب الناس ، تدرج في التنبيه على تلك المعاني العظام ، وانتقال بالعباد من مبدإِ الإيمان بالرب لما شاهدوه من آثار الربوبية في الخلق والرزق ، وجميع تلك الكائنات ، كما تقدم في أول نداء وجه إليهم * ( اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الاٌّ رْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ ) * .
كل هذه الآثار التي لمسوها وأقروا بموجبها ، بأن الذي أوجدها هو ربهم ، ومن ثم ينتقلون إلى الدرجة الثانية ، وهي أن ربه الذي هذه أفعاله هو ملكه وهو المتصرف في تلك العوالم ، وملك لأمره وجميع شؤونه ، ومالك لأمر الدنيا والآخرة جميعاً .
فإذا وصل بإقراره إلى هذا الإدراك ، أقر له ضرورة بالألوهية وهي المرتبة النهاية . إله الناس أي مألوههم ومعبودهم وهو ما خلقهم إليه ، * ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) * .
وفي إضافة الملك إلى الناس من إشعار الاختصاص ، مع أنه سبحانه ملك كل شيء ، فيه ما في إضافة الرب للناس المتقدم بحثه ، فهو سبحانه مالك الملك كما في قوله : * ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ ) * .
وقوله تعالى : * ( لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ) * .
وقوله : * ( لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) * ، وقوله : * ( الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ ) * .
فهو سبحانه وتعالى المتفرد بالملك لا شريك له في ملكه ، كما قال تعالى : * ( وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الْمُلْكِ ) * فبدأ بالحمد أولاً .
ومثله قوله : * ( فَسُبْحَانَ الَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ ) * ، بدأ بتسبيح نفسه وتنزيهه لعموم الملك ومطلق التصرف ونفي الشريك لأن ملكه ملك تصرف وتدبير مع الكمال في الحمد والتقديس .
أضواء البيان — صفحة 175
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص١٧٥