وإذا كان المعنى قد تعين بنص القرآن في الهلاك والخسران ، فما معنى إسناد التب لليدين ؟
الجواب : أن ذلك من باب إطلاق البعض وإرادة الكل كما تقدم في قوله تعالى : * ( نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ ) * ، مع أن الكاذب هو صاحبها .
وقد قدمنا هناك أن مثل هذا الأسلوب لا بد فيه من زيادة اختصاص للجزء المنطوق في المعنى المراد .
فلما كان الكذب يسوّد الوجه ويذل الناصية ، وعكسه الصدق يبيّض الوجه ويعز الناصية ، أسند هناك الكذب إلى الناصية لزيادة اختصاصها بالكذب عن اليد مثلاً .
ولما كان الهلاك والخسران غالباً بما تكسبه الجوارح ، واليد أشد اختصاصًا في ذلك أسند إليها البت .
ومما يدل على أن المرد صاحب اليدين ، ما جاء بعدها ، قوله تعالى : * ( وَتَبَّ ) * ، أي أبو لهب نفسه .
وسواء كان قوله تعالى : * ( تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ ) * ، على سبيل الإخبار أو الإنشاء ، فإنه محتمل من حيث اللفظ .
ولكن قوله تعالى بعده : * ( وَتَبَّ ) * ، فهو إخبار ، فيكون الأول للإنشاء كقوله : * ( قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ ) * .
ثم جاء الثاني تصديقاً له ، وجاءت قراءة ابن مسعود * ( وَتَبَّ ) * . * ( مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ) * . سواء كانت ما استفهامية فهو استفهام إبكار ، أو كانت نافية فإنه نص ، على أن ماله لم يغن عنه شيئاً .
وقوله : * ( وَمَا كَسَبَ ) * .
فقيل : أي من المال الأول ما ورثه أو ما كسب من عمل جرِّ عليه هذا الهلاك ، وهو عداؤه لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم .
ونظير هذه الآية المتقدمة * ( وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ) * .
أضواء البيان — صفحة 144
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص١٤٤