الامتناع ، ومنه النكول عن اليمين ، والنكل القيد . قاله القرطبي .
واختلف في الآخرة والأولى : أهم الدنيا والآخرة ؟ أم هم الكلمتان العظيمتان اللتان تكلم بهما فرعون في قوله : * ( مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَاهٍ غَيْرِى ) * .
والثانية قوله : * ( أَنَاْ رَبُّكُمُ الاٌّ عْلَى ) * .
قال ابن عباس : وكان بينهما أربعون سنة . وقد اختار ابن كثير الأول ، واختار ابن جرير الثاني ، ومعه كثير من المفسرين .
ولكن يرد على اختيار ابن كثير : أن السياق قدم الآخرة ، مع أن تعذيب فرعون مقدم فيه نكال الأولى ، وهي الدنيا .
كما يرد على اختيار ابن جرير ، أن الله تعالى جعل أخذه إياه نكالا ، ليعتبر به من يخشى ، والعبرة تكون أشد بالمحسوس ، وكلمتاه قيلتا في زمنه .
والقرآن يشهد لما قاله ابن كثير ، في قوله تعالى : * ( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً ) * ، وهذا هو محل الاعتبار .
وقد قال تعالى بعد الآية : * ( إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى ) * .
واسم الإشارة في قوله : إن في ذلك : راجع إلى الأخذ والنكال المذكورين ، أي المصدر المفهوم ضمناً في قوله تعالى : * ( فَأَخَذَهُ اللَّهُ ) * وقوله : نكال ، بل إن نكال مصدر بنفسه ، أي فأخذه الله ونكل به ، وجعل نكاله به عبرة لمن يخشى . قوله تعالى : * ( أَءَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ بَنَاهَا ) * . لما كان فرعون على تلك المثابة من الطّغيان والكفر ، وكان من أسباب طغيانه الملك والقوّة ، كما في قوله تعالى : * ( وَفِرْعَوْنَ ذِى الاٌّ وْتَادِ ) * ، وقوله : * ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى الاٌّ رْضِ ) * ، وقوله عنه : * ( أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَاذِهِ الاٌّ نْهَارُ تَجْرِى مِن تَحْتِى ) * .
وهذه كلها مظاهر طغيانه وعوامل قوته ، خاطبهم الله بما آل إليه هذا الطغيان ، ثم خاطبهم في أنفسهم محذراً من طغيان القوة * ( أَءَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ ) * ، حتى لو
أضواء البيان — صفحة 421
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٤٢١