فإن قال قائل : ففصلوا لي صفات ذاته من صفات أفعاله ، لأعرف ذلك .
قيل له : صفات ذاته هي التي لم يزل ولا يزال موصوفاً بها .
وهي الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان . ا ه محل الغرض منه بلفظه .
وقد نقلناه من نسخة هي أجود نسخة موجودة لكتاب التمهيد للباقلاني المذكور .
وترى تصريحه فيها بأن صفة الوجه واليد من صفات المعاني كالحياة والعلم والقدرة والإرادة ، كما هو قول أبي الحسن الأشعري الذي قدمنا إيضاحه .
واعلم أن إمام الحرمين ، أبا المعالي الجويني ، كان في زمانه من أعظم أئمة القائلين بالتأويل ، وقد قرر التأويل وانتصر له في كتابه الإرشاد .
ولكنه رجع عن ذلك في رسالته العقيدة النظامية فإنه قال فيها :
اختلف مسالك العلماء ، في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة ، وامتنع على أهل الحق فحواها وإجراؤها على موجب ما تبرزه أفهام أرباب اللسان منها .
فرأى بعضهم تأويلها ، والتزام هذا المنهج في آي الكتاب وفيما صح من سنن النبي صلى الله عليه وسلم .
وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها ، وتفويض معانيها إلى الرب سبحانه .
والذي نرتضيه رأياً وندين الله به عقداً ، اتباع سلف الأمة ، فالأولى الاتباع وترك الابتداع والدليل السمعي القاطع في ذلك ، أن إجماع الأمة حجة متبعة ، وهو مستند معظم الشريعة .
وقد درج صحب الرسول صلى الله عليه وسلم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام والمشتغلون بأعباء الشريعة .
وكانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها .
أضواء البيان — صفحة 294
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٢٩٤