وقد أشار تعالى في سورة الفرقان أن وصف الله بالاستواء صادر عن خبير بالله ، وبصفاته عالم بما يليق به ، وبما لا يليق وذلك في قوله تعالى : * ( الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاٌّ رْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ) * .
فتأمل قوله : * ( فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ) * ، بعد قوله : * ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ ) * ، تعلم أن من وصف الرحمن بالاستواء على العرش خبير بالرحمن وبصفاته لا يخفى عليه اللائق من الصفات وغير اللائق .
فالذي نبأنا بأنه استوى على عرشه هو العليم الخبير الذي هو الرحمن .
وقد قال تعالى : * ( وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) * .
وبذلك تعلم أن من يدعي أن الاستواء يستلزم التشبيه ، وأنه غير لائق غير خبير ، نعم والله هو غير خبير .
وسنذكر هنا إن شاء الله أن أئمة المتكلمين المشهورين رجعوا كلهم عن تأويل الصفات .
أما كبيرهم الذي هو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى أبي الحسن الأشعري ، وهو القاضي محمد بن الطيب المعروف بأبي بكر الباقلاني ، فإنه كان يؤمن بالصفات على مذهب السلف ويمنع تأويلها منعاً باتاً ، ويقول فيها بمثل ما قدمنا عن الأشعري .
وسنذكر لك هنا بعض كلامه .
قال الباقلاني المذكور في كتاب التمهيد ما نصه :
باب في أن لله وجهاً ويدين ، فإن قال قائل . فما الحجة في أن لله عز وجل وجهاً ويدين ؟ قيل له قوله :
* ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلْالِ وَالإِكْرَامِ ) * .
وقوله : * ( مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ) * ، فأثبت لنفسه وجهاً ويدين .
فإن قالوا : فما أنكرتم أن يكون المعنى في قوله * ( خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ) * أنه خلقه بقدرته أو بنعمته ، لأن اليد في اللغة قد تكون بمعنى النعمة ، وبمعنى القدرة ، كما يقال : لي عند فلان يد بيضاء . يراد به نعمة .
أضواء البيان — صفحة 291
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٢٩١