بالمشي وتكليف الإنسان بالطيران ونحو ذلك ، فمثل هذا لا يقع التكليف به إجماعًا .
وأمّا المستحيل لأجل علم اللَّه في الأزل بأنه لا يقع ، فهو جائز عقلاً ولا خلاف في التكليف به فإيمان أبي لهب مثلاً كان اللَّه عالمًا في الأزل بأنه لا يقع ؛ كما قال اللَّه تعالى عنه : * ( سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ ) * ، فوقوعه محال عقلاً لعلم اللَّه في الأزل ، بأنه لا يوجد ؛ لأنه لو وجد لاستحال العلم بعدمه جهلاً ، وذلك مستحيل في حقّه تعالى . ولكن هذا المستحيل للعلم بعدم وقوعه جائز عقلاً ، إذ لا يمنع العقل إيمان أبي لهب ، ولو كان مستحيلاً لما كلّفه اللَّه بالإيمان ، على لسانه نبيّه صلى الله عليه وسلم ، فالإمكان عام ، والدعوة عامّة ، والتوفيق خاص .
وإيضاح مسألة الحكم العقلي أنه عند جمهور النظار ، ثلاثة أقسام :
الأول : الواجب عقلاً .
الثاني : المستحيل عقلاً .
الثالث : الجائز عقلاً ، وبرهان الحصر الحكم العقلي في الثلاثة المذكورة ، أن الشئ من حيث هو شئ ، لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات : إما أن يكون العقل يقبل وجوده ، ولا يقبل عدمه بحال . وإمّا أن يكون يقبل عدمه ولا يقبل وجوده بحال . وإمّا أن يكون يقبل وجوده وعدمه معًا ، فإن كان العقل يقبل وجوده دون عدمه ، فهو الواجب عقلاً ، وذلك كوجود اللَّه تعالى متّصفًا بصفات الكمال والجلال . فإن العقل السليم لو عرض عليه وجود خالق هذه المخلوقات لقبله ، ولو عرض عليه عدمه وأنها خلقت بلا خالق ، لم يقبله ، فهو واجب عقلاً . وأمّا إن كان يقبل عدمه ، دون وجوده ، فهو المستحيل عقلاً ؛ كشريك اللَّه سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا ، فلو عرض على العقل السليم عدم شريك للَّه في ملكه ، وعبادته لقبله ، ولو عرض عليه وجوده لم يقبله بحال ؛ كما قال تعالى : * ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) * ، وقال : * ( إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَاهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) * ، فهو مستحيل عقلاً . وأمّا إن كان العقل يقبل وجوده وعدمه معًا ، فهو الجائز العقلي ، ويقال له الجائز الذاتي ، وذلك كإيمان أبي لهب ، فإنه لو عرض وجوده على العقل السليم لقبله ، ولو عرض عليه عدمه بدل وجوده لقبله أيضًا ، كما لا يخفى ، فهو جائز عقلاً جوازًا ذاتيًا ، ولا خلاف في التكليف بهذا النوع الذي هو الجائز العقلي الذاتي .
أضواء البيان — صفحة 523
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٥٢٣