لا يصح وقوعه بالفعل . وحجّة من يمنعه عقلاً أنه عبث لا فائدة فيه ؛ لأن المكلّف به لا يمكن أن يقدر عليه بحال ، فتكليفه بما هو عاجز عنه محقّقًا عبث لا فائدة فيه ، قالوا فهو مستحيل ؛ لأن اللَّه حكيم خبير . وحجّة من قال بجوازه أن فائدته امتحان المكلف ، هل يتأسّف على عدم القدرة ، ويظهر أنه لو كان قادرًا لا مثل ، والامتحان سبب من أسباب التكليف ، كما كلّف اللَّه إبراهيم بذبح ولده ، وهو عالم أنه لا يذبحه ، وبيّن أن حكمة هذا التكليف هي ابتلاء إبراهيم ، أي : اختباره ، هل يمتثل ؟ فلما شرع في الامتثال فداه اللَّه بذبح عظيم ؛ كما قال تعالى عنه : * ( فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن ياإِبْراهِيمُ إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَاذَا لَهُوَ الْبَلاَء الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) * .
وقد أشار صاحب ( مراقي السعود ) إلى مسألة التكليف بالمحال وأقوال الأصوليين فيها ، وهي اختلافهم في جواز ذلك عقلاً ، مع إجماعهم على منعه إن كانت الاستحالة لغير علم اللَّه ، بعدم الوقوع كالاستحالة الذاتية ، بقوله : وقد أشار صاحب ( مراقي السعود ) إلى مسألة التكليف بالمحال وأقوال الأصوليين فيها ، وهي اختلافهم في جواز ذلك عقلاً ، مع إجماعهم على منعه إن كانت الاستحالة لغير علم اللَّه ، بعدم الوقوع كالاستحالة الذاتية ، بقوله :
* وجوّز التكليف بالمحال
* في الكلّ من ثلاثة الأحوال
*
* وقيل بالمنع لما قد امتنع
* لغير علم اللَّه أن ليس يقع
*
* وليس واقعًا إذا استحالا
* لغير علم ربّنا تعالى
*
وقوله : وجوّز التكليف ، يعني : الجواز العقلي .
وقوله : وقيل بالمنع ، أي : عقلاً ومراده بالثلاثة الأحوال : ما استحال عقلاً وعادة ، كالجمع بين النقيضين ، وما استحال عادة كمشي المقعد ، وطيران الإنسان ، وإبصار الأعمى ، وما استحال لعلم اللَّه بعدم وقوعه .
وإذا عرفت كلام أهل الأصول في هذه المسألة ، فاعلم أن التوبة تجب كتابًا وسنّة وإجماعًا من كل ذنب اقترفه الإنسان فورًا ، وأن الندم ركن من أركانها ، وركن الواجب واجب ، والندم ليس بفعل ، وليس استطاعة المكلف ؛ لأنه انفعال لا فعل والانفعالات ليست بالاختيار ، فما وجه التكليف بالندم ، وهو غير فعل للمكلف ، ولا مقدور عليه .
والجواب عن هذا الإشكال : هو أن المراد بالتكليف بالندم التكليف بأسبابه التي يوجد بها ، وهي في طوق المكلف ، فلو راجع صاحب المعصية نفسه مراجعة صحيحة ،
أضواء البيان — صفحة 525
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٥٢٥