قوله تعالى : * ( وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) * . البرهان : الدليل الذي لا يترك في الحق لبساً ، وقوله : لا برهان له به كقوله * ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ) * . والسلطان : هو الحجة الواضحة وهو بمعنى : البرهان وقوله في هذه الآية الكريمة * ( فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ) * قد بين أن حسابه الذي عند ربه ، لا فلاح له فيه بقوله بعده * ( إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) * وأعظم الكفارين كفراً هو من يدعو مع الله إلاهاً آخر ، لا برهان له به ، ونفي الفلاح عنه يدل على هلاكه وأنه من أهل النار ، وقد حذر الله من دعاء إلاه معه في آيات كثيرة كقوله : * ( وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ إِلَاهاً ءَاخَرَ إِنِّء لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) * وقوله : * ( وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَاهاً ءَاخَرَ لاَ إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) * وقوله تعالى : * ( لاَّ تَجْعَل مَعَ اللَّهِ إِلَاهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً ) * والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً ، ولا خلاف بين أهل العلم أن قوله هنا : * ( لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ) * لا مفهوم مخالفة له ، فلا يصح لأحد أن يقول : أما من عبد معه إلاهاً آخر له برهان به فلا مانع من ذلك ، لاستحالة وجود برهان على عبادة آلاه آخر معه ، بل البراهين القطعية المتواترة ، دالة على أنه هو المعبود وحده جل وعلا ولا يمكن أن يوجد دليل على عبادة غيره البتة . وقد تقرر في فن الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة ، كون تخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع فيرد النص ذاكراً لوصف الموافق للواقع ليطبق عليه الحكم ، فتخصيصه بالذكر إذاً ليس لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق ، بل لتخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع .
ومن أمثلته في القرآن هذه الآية لأن قوله : * ( لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ) * وصف مطابق للواقع ، لأنهم يدعون معه غيره بلا برهان ، فذكر الوصف لموافقته الواقع ، لا لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق .
ومن أمثلته في القرآن أيضاً قوله تعالى : * ( لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) * لأنه نزل في قوم والوا اليهود دون المؤمنين ، فقوله * ( مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) * ذكر لموافقته للواقع لا لإخراج المفهوم ، عن حكم المنطوق ومعلوم أن اتخاذ
أضواء البيان — صفحة 364
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٦٤