البقرة في قوله * ( كَذَالِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ) * فهذه الآيات تدل على أن سبب تشابه مقالاتهم لرسلهم ، هو تشابه قلوبهم في الكفر والطغيان ، وكراهية الحق وقوله : * ( وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) * ذكر نحو معناه في قوله تعالى : * ( لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) * وقوله تعالى : * ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنْكَرَ ) * ، وذلك المنكر الذي تعرفه في وجوههم ، إنما هو لشدة كراهيتهم للحق ، ومن الآيات الموضحة لكراهيتهم للحق . أنهم يمتنعون من سماعه ، ويستعملون الوسائل التي تمنعهم من أن يسمعوه ، كمال قال تعالى في قصة أول الرسل الذين أرسلهم بتوحيده والنهي عن الإشراك به ، وهو نوح : * ( وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَابِعَهُمْ فِىءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَاسْتَكْبَرُواْ اسْتِكْبَاراً ) * وإنما جعلوا أصابعهم في آذانهم ، واستغشوا ثيابهم خوف أن يسمعوا ما يقوله لهم نبيهم نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، من الحق ، والدعوة إليه . وقال تعالى في أمة آخر الأنبياء صلى الله عليه وسلم * ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَاذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ ) * . فترى بعضهم ينهى بعضاً عن سماعه ، ويأمرهم باللغو فيه ، كالصياح والتصفيق المانع من السماع لكراهتهم للحق ، ومحاولتهم أن يغلبوا الحق بالباطل .
وهذه الآية الكريمة سؤال معروف وهو أن يقال : قوله : * ( وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) * يفهم من مفهوم مخالفته ، أن قليلاً من الكفار ، ليسوا كارهين للحق . وهذا السؤال وارد أيضاً على آية الزخرف التي ذكرنا آنفاً ، وهي قوله تعالى : * ( وَلَاكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) * .
والجواب عن هذا السؤال : هو ما أجاب به بعض أهل العلم بأن قليلاً من الكفار . كانوا لا يكرهون الحق ، وسبب امتناعهم عن الإيمان بالله ورسوله ليس هو كراهيتهم للحق ، ولكن سببه الأنفة والاستنكاف من توبيخ قومهم ، وأن يقولوا صبأوا وفارقوا دين آبائهم ، ومن أمثلة من وقع له هذا أبو طالب فإنه لا يكره الحق ، الذي جاء به النَّبي صلى الله عليه وسلم ، وقد كان يشد عضده في تبليغه رسالته كما قدمنا في شعره في قوله : * اصدع بأمرك ما عليك غضاضة
الأبيات وقال فيها ،
أضواء البيان — صفحة 341
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٤١