عبادتها والرجس القذر الذي تعافه النفوس ، وفي هذه الآية الكريمة الأمر باجتناب عبادة الأوثان ، ويدخل في حكمها ، ومعناها عبادة كل معبود من دون الله كائناً من كان . وهذا الأمر باجتناب عبادة غير الله المذكور هنا ، جاء مبيناً في آيات كقوله تعالى : * ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوتَ ) * وبيَّن تعالى أن ذلك شرط في صحة إيمانه بالله في قوله : * ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ) * وأثنى الله على مجتنبي عبادة الطاغوت المنيبين لله ، وبين أن لهم البشرى ، وهي ما يسرهم عند ربهم في قوله تعالى : * ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُواْ إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى ) * . وقد سأل إبراهيم ربه أن يرزقه اجتناب عبادة الطاغوت ، في قوله تعالى : * ( وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاٌّ صْنَامَ ) * والأصنام ، تدخل في الطاغوت دخولاً أولياً .
قوله تعالى : * ( وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ) * . أمر في هذه الآية الكريمة باجتناب قول الزور ، وهو الكذب والباطل كقولهم : إن الله حرم البحيرة والسائبة ، ونحو ذلك ، وكادعائهم له الأولاد والشركاء ، وكل قول مائل عن الحق فهو زور ، لأن أصل المادة التي هي الزور من الازورار بمعنى الميل ، والاعوجاج ، كما أوضحناه في الكلام على قوله : * ( تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ) * .
واعلم أنا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها ، أن يذكر لفظ عام ، ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه ، وتقدمت لذلك أمثلة . وسيأتي بعض أمثلته في الآيات القريبة من سورة الحج هذه .
وإذا علمت ذلك فاعلم أنه هنا قال : * ( وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ ) * بصيغة عامة ، ثم بين في بعض المواضع بعض أفراد قول الزور المنهي عنه كقوله تعالى في الكفار الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم : * ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَاذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً ) * فصرح بأن قولهم هذا من الظلم والزور . وقال في الذين يظاهرون من نسائهم ، ويقول الواحد منهم لامرأته : أنت عليّ كظهر أمي * ( وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً ) * فصرح بأن قولهم ذلك ، منكر وزور ، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي بكرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قلنا : بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئاً فجلس
أضواء البيان — صفحة 255
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٢٥٥