تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
والكلام ليس فيه معنى الجهد . وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) في سورة ( البلد ) . قوله تعالى : * ( أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ) * . الظاهر أن أمره المذكور في هذه الآية هو المذكور في قوله تعالى : * ( وَقَالَ مُوسَى لاًّخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) * . وهذه الآية الكريمة تدل على اقتضاء الأمر للوجوب . لأنه أطلق اسم المعصية على عدم امتثال الأمر ، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة : كقوله تعالى : * ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) * ، وقوله : * ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) * فجعل أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم مانعاً من الاختيار ، موجباً للامتثال . وقوله تعالى : * ( مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) * فوبخه هذا التوبيخ الشديد على عدم امتثال الأمر المدلول عليه بصيغة أفعل في قوله تعالى : * ( اسْجُدُواْ لاًّدَمَ ) * . وجماهير الأصوليين على أن صيغة الأمر المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب للأدلة التي ذكرنا وغيرها مما هو مماثل لها . وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله : * وافعل لدى الأكثر للوجوب * وقيل للندب أو المطلوب * الخ . قوله تعالى : * ( قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى ) * . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن هارون قاله لأخيه موسى * ( يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى ) * وذلك يدل على أنه لشدة غضبه أراد أن يمسك برأسه ولحيته . وقد بين تعالى في ( الأعراف ) أنه أخذ برأسه يجره إليه . وذلك في قوله : * ( أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ ) * . وقوله : * ( وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى ) * من بقية كلام هارون . أي خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ، وأن تقول لي لم ترقب قوليا أي لم تعمل بوصيتي وتمتثل أمري .