* ( وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَاكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) * ، وقال تعالى : * ( وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) * ، وقال تعالى : * ( إِنَّا عَرَضْنَا الاٌّ مَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالاٌّ رْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ) * . وقد ثبت في صحيح البخاري : أن الجذع الذي كان يخطب عليه النبي صلى الله عليه وسلم لما انتقل عنه بالخطبة إلى المنبر سمع له حنين . وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عَلَيَّ قبل أن أُبعث . إني لأعرفه الآن ) وأمثال هذا كثيرة . والقاعدة المقررة عند العلماء : أن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن ظاهرها المتبادر منها إلا بدليل يجب الرجوع إليه . والتسبيح في اللغة : الإبعاد عن السوء ، وفي اصطلاح الشرع : تنزيه الله جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله .
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية * ( وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ ) * أي جعلناها بحيث تطيعه إذا أمرها بالتسبيح والظاهر أن قوله * ( وَكُنَّا فَاعِلِينَ ) * مؤكد لقوله : * ( وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ) * والموجب لهذا التأكيد : أن تسخير الجبال وتسبيحها أمر عجب خارق العادة ، مظنة لأن يكذب به الكفرة الجهلة .
وقال الزمخشري * ( وَكُنَّا فَاعِلِينَ ) * أي قادرين على أن نفعل هذا . وقيل : كنا نفعل بالأنبياء مثل ذلك . وكلا القولين اللذين قال ظاهر السقوط . لأن تأويل * ( وَكُنَّا فَاعِلِينَ ) * بمعنى كنا قادرين بعيد ، ولا دليل عليه كما لا دليل على الآخر كما ترى .
وقال أبو حيان * ( وَكُنَّا فَاعِلِينَ ) * أي فاعلين هذه الأعاجيب من تسخير الجبال وتسبيحهن ، والطير لمن نخصه بكرامتنا ا ه ، وأظهرها عندي هو ما تقدم ، والعلم عند الله تعالى . وقوله تعالى : * ( وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ ) * . الضمير في قوله * ( عَلَّمْنَاهُ ) * راجع إلى داود ، والمراد بصيغة اللبوس : صنعة الدروع ونسجها . والدليل على أن المراد باللبوس في الآية الدروع : أنه أتبعه بقوله * ( لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ ) * أي لتحرز وتقي بعضكم من بأس بعض ، لأن الدرع تقيه ضرر الضرب بالسيف ، والرمي بالرمح والسهم ، كما هو معروف . وقد أوضح
أضواء البيان — صفحة 232
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٢٣٢