وقوله في هذه الآية الكريمة : * ( وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ ) * أي يجارون : أي ليس لتلك الآلهة مجير يجيرهم منا . لأن الله يجير ولا يجار عليه كما صرح بذلك في سورة * ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) * في قوله : * ( قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) * . والعرب تقول : أنا جار لك وصاحب من فلان . أي مجير لك منه . ومنه قول الشاعر : قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) * . والعرب تقول : أنا جار لك وصاحب من فلان . أي مجير لك منه . ومنه قول الشاعر :
* ينادى بأعلى صوته متعوِّذا
* ليصحب منا والرماح دواني
*
يعني ليجار ويُغاث منا . وأغلب أقوال العلماء في الآية راجعة إلى ما ذكرنا . كقول بعضهم * ( يُصْحَبُونَ ) * يُمنعون . وقول بعضهم يُنصرون . وقول بعضهم * ( وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ ) * أي لا يصحبهم الله بخير ، ولا يجعل الرحمة صاحباً لهم . والعلم عند الله تعالى . قوله تعالى : * ( بَلْ مَتَّعْنَا هَاؤُلاءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ) * . الظاهر أن الإضراب . * ( بَلِ ) * في هذه الآية الكريمة انتقالي . والإشارة في قوله * ( هَؤُلاء ) * راجعة إلى المخاطبين من قبل في قوله : * ( قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَانِ ) * ، وهم كفَّار قريش ، ومن اتخذ آلهة من دون الله . والمعنى : أنه متَّع هؤلاء الكفار وآباءهم قبلهم بما رزقهم من نعيم الدنيا حتى طالت أعمارهم في رخاء ونعمة ، فحملهم ذلك على الطغيان واللجاج في الكفر .
وما تضمنته هذه الآية الكريمة : من أنه تعالى يمهل الكفار ويملي لهم في النعمة ، وأن ذلك يزيدهم كُفراً وضلالاً جاء موضحاً في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى ، كقوله : * ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاًّنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) * ، وقوله تعالى : * ( سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ) * ، وقوله تعالى : * ( قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَاكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّى نَسُواْ الذِّكْرَ وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً ) * ، وقوله تعالى : * ( بَلْ مَتَّعْتُ هَاؤُلاَءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّى جَآءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَاذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ ) * والآيات بمثل ذلك كثيرة . والعمر يطلق على مدة العيش . قوله تعالى : * ( أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الاٌّ رْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ ) * .
أضواء البيان — صفحة 156
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص١٥٦