تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
يشاء : إن شاء خلقه من أنثى بدون ذكر كما فعل بعيسى . وإن شاء خلقه من ذكر بدون أنثى كما فعل بحواء . كما نص على ذلك في قوله : * ( وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) * أي خلق من تلك النفس التي هي آدم زوجها حواء . وإن شاء خلقه بدون الذكر والأنثى معاً كما فعل بآدم . وإن شاء خلقه من ذكر وأنثى كما فعل بسائر بني آدم . فسبحان الله العظيم القادر على كل شيء ؟ وما ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : من كونه جعل عيسى آية حيث ولدته أمه من غير زوج أشار له أيضاً في ( الأنبياء ) بقوله : * ( وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَآ ءَايَةً لِّلْعَالَمِينَ ) * ، وفي ( الفلاح ) بقوله : * ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً وَءَاوَيْنَاهُمَآ ) * . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * ( وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلْنَّاسِ ) * فيه حذف دل المقام عليه . قال الزمخشري في الكشاف : * ( وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلْنَّاسِ ) * تعليل معلله محذوف . أي ولنجعله آية للناس فعلنا ذلك . أو هو معطوف على تعليل مضمر ، أي لنبيِّن به قدرتنا ولنجعله آية . ونحوه * ( وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالاٌّ رْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) * ، وقوله : * ( وَكَذالِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الاٌّ رْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ ) * ا ه . وقوله في هذه الآية * ( وَرَحْمَةً مّنَّا ) * أي لمن آمن به . ومن كفر به فلم يبتغ الرحمة لنفسه ، كما قال تعالى في نبينا صلى الله عليه وسلم : * ( وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) * ، وقوله تعالى : * ( نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذالِكَ ) * أي وكان وجود ذلك الغلام منك أمراً مقضياً ، أي مقدراً في الأزل ، مسطوراً في اللوح المحفوظ لا بد من وقوعه ، فهو واقع لا محالة . قوله تعالى : * ( فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً فَأَجَآءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يالَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَاذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ) * . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن مريم حملت عيسى . فقوله * ( حَمَلَتْهُ ) * أي عيسى * ( فَانْتَبَذَتْ بِهِ ) * : أي تنحت به وبعدت معتزلة عن قومها * ( مَكَاناً قَصِيّاً ) * أي في مكانها بعيد : والجمهور على أن المكان المذكور بيت لحم . وفيه أقوال أخر غير ذلك . وقوله : * ( فَأَجَآءَهَا الْمَخَاضُ ) * أي ألجأها الطلق إلى جذع النخلة ، أي جذع نخلة في ذلك المكان . والعرب تقول : جاء فلان ، وأجاءه غيره : إذا حمله على المجيء ،
أضواء البيان — صفحة 389 | مكتب البحوث والدراسات / الشنقيطي