الأول أنه خبر مبتدأ محذوف ، وتقديره ، الأمر كذلك ، ولا محالة أن تلد الغلام المذكور . وقيل ، الأمر كذلك أنت كبير في السن ، وامرأتك عاقر . وعلى هذا فقوله * ( قَالَ رَبُّكِ ) * ابتداء كلام :
الوجه الثاني أن ( كذلك ) في محل نصب ب ( قال ) وعليه فالإشارة بقوله ( ذلك ) إلى مبهم يفسره قوله : * ( هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ ) * ونظيره على هذا القول قوله تعالى : * ( وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الاٌّ مْرَ أَنَّ دَابِرَ هَاؤُلآْءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ ) * . وغير هذين من أوجه إعرابه تركناه لعدم وضوحه عندنا . وقوله * ( هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ ) * أي يسير سهل .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * ( وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ) * أي ومن خلقك ولم تك شيئاً فهو قادر على أن يرزقك الولد المذكور كما لا يخفى . وهذا الذي قاله هنا لزكريا : من أنه خلقه ولم يك شيئاً أشار إليه بالنسبة إلى الإنسان في مواضع أخر . كقوله : * ( أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ) * ، وقوله تعالى : * ( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً ) * .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة * ( وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ) * دليل على أن المعدوم ليس بشيء . ونظيره قوله تعالى : * ( حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ) * ، وهذا هو الصواب . خلافاً للمعتزلة القائلين : إن المعدوم الممكن وجوده شيء ، مستدلين لذلك بقوله تعالى : * ( إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) * قالوا : قد سماه الله شيئاً قبل أن يقول له كن فيكون ، وهو يدل على أنه شيء قبل وجوده . ولأجل هذا قال الزمخشري في تفسير هذه الآية : لأن المعدوم ليس بشيء . أوليس شيئاً يعتد به . كقولهم : عجبت من لا شيء . وقول الشاعر : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) * قالوا : قد سماه الله شيئاً قبل أن يقول له كن فيكون ، وهو يدل على أنه شيء قبل وجوده . ولأجل هذا قال الزمخشري في تفسير هذه الآية : لأن المعدوم ليس بشيء . أوليس شيئاً يعتد به . كقولهم : عجبت من لا شيء . وقول الشاعر :
* وضاقت الأرض حتى كان هاربهم
* إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
*
لأن مراده بقوله : غير شيء ، أي إذا رأى شيئاً تافهاً لا يعتد به كأنه لا شيء لحقارته ظنه رجلاً ، لأن غير شيء بالكلية لا يصح وقوع الرؤية عليه . والتحقيق هو ما دلت عليه هذه الآية وأمثالها في القرآن : من أن المعدوم ليس بشيء ؟ والجواب عن استدلالهم بالآية : أن ذلك المعدوم لما تعلقت الإرادة بإيجاده ، صار تحقق وقوعه كوقوعه بالفعل ، كقوله * ( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ) * ، وقوله : * ( وَنُفِخَ فِى الصُّورِ ) * ، وقوله : * ( وَأَشْرَقَتِ الاٌّ رْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِىءَ بِالنَّبِيِّيْنَ ) *
أضواء البيان — صفحة 370
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٧٠