وقوله في هذه الآية الكريمة : * ( كَمَا خَلَقْنَاكُمْ ) * ( ما ) مصدرية ، والمصدر المنسبك منها ومن صلتها نعت لمصدر محذوف على حذف مضاف . وإيضاح تقريره : ولقد جئتمونا كما خلقناكم ، أي مجيئاً مثل مجيء خلقكم ، أي حفاة غراة غرلاً كما جاء في الحديث ، وخالين من المال والولد . وهذا الإعراب هو مقتضى كلام أبي حيان في البحر . ويظهر لي أنه يجوز إعرابه أيضاً حالاً ، أي جئتمونا في حال كونكم مشابهين لكم في حالتكم الأولى ، لأن التشبيه يؤول بمعنى الوصف ، كما أشار له في الخلاصة بقوله :
* ويكثر الجمود في سعر وفي
* مبدي تأول بلا تكلف
*
* كبعه مدا بكذا يداً بيد
* وكر زيد أسداً أي كأسد
*
فقوله ( وكر زيد أسداً أي كأسد ) مثال لمبدي التأول ، لأنه في تأويل كر في حال كونه مشابهاً للأسد كما ذكرنا واعلم أن حذف القول وإثبات مقولة مطرد في اللغة العربية ، وكثير في القرآن العظيم كما ذكرناه آنفاً . لكن عكسه وهو إثبات القول وحذف مقولة قليل جداً ، ومنه قول الشاعر : فقوله ( وكر زيد أسداً أي كأسد ) مثال لمبدي التأول ، لأنه في تأويل كر في حال كونه مشابهاً للأسد كما ذكرنا واعلم أن حذف القول وإثبات مقولة مطرد في اللغة العربية ، وكثير في القرآن العظيم كما ذكرناه آنفاً . لكن عكسه وهو إثبات القول وحذف مقولة قليل جداً ، ومنه قول الشاعر :
* لنحن الألى قلتم فأني ملئتم
* برؤيتنا قبل اهتمام بكم رعبا
*
لأن المراد لنحن الألى قلتم نقاتلهم ، فحذف جملة نقاتلهم التي هي مقول القول . وقوله * ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا ) * عبر فيه بالماضي وأراد المستقبل ، لأن تحقيق وقوع ذلك ينزله منزلة الواقع بالفعل . والتعبير بصيغة الماضي عن المستقبل لما ذكرنا كثير جداً في القرآن العظيم ، ومنه قوله هنا : * ( وَحَشَرْنَاهُمْ ) * ، وقوله : * ( وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ ) * ، وقوله : * ( لَّقَدْ جِئْتُمُونَا ) * . ومنه قوله : * ( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ ) * ، وقوله : * ( وَنُفِخَ فِى الصُّورِ ) * ، وقوله : * ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) * وقوله : * ( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ ) * ونحو ذلك كثير في القرآن لما ذكرنا . قوله تعالى : * ( بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا ) * . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار زعموا أن الله لن يجعل لهم موعداً . والموعد يشمل زمان الوعد ومكانه . والمعنى : أنهم زعموا أن الله لم يجعل وقتاً ولا مكاناً لإنجاز ما وعدهم على ألسنة رسله من البعث والجزاء والحساب . . وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من إنكارهم البعث جاء مبيناً في آيات كثيرة ، كقوله تعالى : * ( زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ ) * . وقوله عنهم : * ( وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) * ، * ( وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ) * ونحو ذلك من الآيات .
وقد بين الله تعالى كذبهم في إنكارهم للبعث في آيات كثيرة . كقوله في هذه السورة الكريمة : * ( بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً ) * ، وقوله * ( قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ) * ، وقوله : * ( وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ) * ، وقوله : * ( كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) * والآيات بمثل هذا كثيرة جداً . وقد قدمنا في
أضواء البيان — صفحة 286
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٢٨٦