تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
وقول النابغة الجعدي : * ومثل الدمى شم العرانين ساكن * بهن الحياء لا يشعن التقافيا * والذي يظهر لنا أن أصل القفو في لغة العرب : الاتباع كما هو معلوم من اللغة . ويدخل فيه اتباع المساوي كما ذكره من قال : إن أصله القذف والبيت . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * ( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) * فيه وجهان من التفسير : الأول أن معنى الآية أن الإنسان يسأل يوم القيامة عن أفعال جوارحه فيقال له : لم سمعت ما لا يحل لك سماعها ؟ ولم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليها ؟ ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليها ؟ ويدل لهذا المعنى آيات من كتاب الله تعالى ، كقوله : * ( وَلَتُسْألُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) * ، وقوله * ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) * ، ونحو ذلك من الآيات . والوجه الثاني أن الجوارح هي التي تسأل عن أفعال صاحبها ، فتشهد عليه جوارحه بما فعل . قال القرطبي في تفسيره : وهذا المعنى أبلغ في الحجة . فإنه يقع تكذيبه من جوارحه ، وتلك غاية الخزي كما قال : * ( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) * ، وقوله : * ( شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) * . قال مقيده عفا الله عنه : والقول الأول أظهر عندي ، وهو قول الجمهور . وفي الآية الكريمة نكتة نبه عليها في مواضع أخر . لأن قوله تعالى : * ( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) * يفيد تعليل النهي في قوله : * ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) * بالسؤال عن الجوارح المذكورة ، لما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه : أن ( إن ) المكسورة من حروف التعليل . وإيضاحه : أن المعنى انته عما لا يحل لك لأن الله أنعم عليك بالسمع والبصر والعقل لتشركه ، وهو مختبرك بذلك وسائلك عنه ، فلا تستعمل نعمه في معصيته . ويدل لهذا المعنى قوله تعالى : * ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا