فإن قيل : ما وجه الجمع بين نفي اعتذارهم المذكور هنا ، وبين ما جاء في القرآن من اعتذارهم . كقوله تعالى عنهم : * ( وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) * ، وقوله : * ( مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ) * ، وقوله : * ( بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً ) * ، ونحو ذلك من الآيات .
فالجواب من أوجه :
منها أنهم يتعذرون حتى إذا قيل لهم : أخسؤوا فيها ولا تكلمون ، انقطع نطقهم ولم يبق إلا الزفير والشهيق . كما قال تعالى : * ( وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ ) * .
ومنها أن نفي اعتذارهم يراد به اعتذار فيه فائدة . أما الاعتذار الذي لا فائدة فيه فهو كالعدم ، يصدق عليه في لغة العرب : أنه ليس بشيء ، ولذا صرح تعالى بأن المنافقين بكم في قوله : * ( صُمٌّ بُكْمٌ ) * مع قوله عنهم : * ( وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ) * أي لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم . وقال عنهم أيضاً : * ( فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ) * فهذا الذي ذكره جل وعلا من فصاحتهم وحدة ألسنتهم ، مع تصريحه بأنهم بكم يدل على أن الكلام الذي لا فائدة فيه كلا شيء ، كما هو واضح . وقال هبيرة بن أبي وهب المخزومي : فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ) * فهذا الذي ذكره جل وعلا من فصاحتهم وحدة ألسنتهم ، مع تصريحه بأنهم بكم يدل على أن الكلام الذي لا فائدة فيه كلا شيء ، كما هو واضح . وقال هبيرة بن أبي وهب المخزومي :
* وإن كلام المرء في غير كنهه
* لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها
*
وقد بينا هذا في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) في مواضع منه . والترتيب ب ( ثمَّ ) في قوله في هذه الآية الكريمة : * ( ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ) * على قوله : * ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ) * لأجل الدلالة على أن ابتلاءهم بالمنع من الاعتذار المشعر بالإقناط الكلي أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء عليهم بكفرهم . قوله تعالى : * ( وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) * . اعلم أولاً أن استعتب تستعمل في اللغة بمعنى طلب العتبى . أي الرجوع إلى ما يرضي العاتب ويسره . وتستعمل أيضاً في اللغة بمعنى أعتب : إذا أعطى العتبى . أي رجع إلى ما يحب العاتب ويرضى ، فإذا علمت ذلك فاعلم أن في قوله : * ( وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) * وجهين من التفسير متقاربي المعنى .
أضواء البيان — صفحة 422
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٤٢٢