وقوله : * ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاٌّ خِرِ وَأَقَامَ الصَّلَواةَ وَءاتَى الزَّكَواةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ ) * ، وقوله : * ( إِنَّمَا ذالِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) * . إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : * ( وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا ) * . الدين هنا : الطاعة . ومنه سميت أوامر الله ونواهيه ديناً . كقوله : * ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ ) * ، وقوله : * ( وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً ) * ، وقوله : * ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ) * .
والمراد بالدين في الآيات : طاعة الله بامتثال جميع الأوامر ، واجتناب جميع النواهي . ومن الدين بمعنى الطاعة : قول عمرو بن كلثوم في معلقته : والمراد بالدين في الآيات : طاعة الله بامتثال جميع الأوامر ، واجتناب جميع النواهي . ومن الدين بمعنى الطاعة : قول عمرو بن كلثوم في معلقته :
* وأياماً لنا غراً كراما
* عصينا الملك فيها أن ندينا
*
أي عصيناه وامتنعنا أن ندين له . أي نطيعه . وقوله * ( وَاصِبًا ) * أي دائماً . أي له جلَّ وعلا : الطاعة والذل والخضوع دائماً . لأنه لا يضعف سلطانه ، ولا يعزل عن سلطانه ، ولا يموت ولا يغلب ، ولا يتغير له حال بخلاف ملوك الدنيا . فإن الواحد منهم يكون مطاعاً له السلطنة والحكم ، والناس يخافونه ويطعمون فيما عنده برهة من الزمن ، ثم يعزل أو يموت ، أو يذل بعد عز ، ويتضع بعد رفعة . فيبقى لا طاعة له ولا يعبأ به أحد . فسبحان من لم يتخذ ولداً ، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل ، وكبره تكبيراً .
وهذا المعنى الذي أشار إليه مفهوم الآية بينه جل وعلا في مواضع أخر . كقوله : * ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ) * ، وقوله تعالى : * ( خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ) * لأنها ترفع أقواماً كانت منزلتهم منخفضة في الدنيا ، وتخفض أقواماً كانوا ملوكاً في الدنيا ، لهم المكانة الرفيعة وقوله : * ( لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) * .
ونظير هذه الآية المذكورة قوله : * ( وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ ) * أي دائم . وقيل : عذاب ( وجمع مؤلم ) والعرب تطلق الوصب على المرض ، وتطلق الوصوب على الدوام . وروي عن ابن عباس أنه لما سأله نافع بن الأزرق عن قوله تعالى : * ( وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا ) * قال له : الوصب الدائم ، واستشهد له بقول أمية بن أبي الصلت الثقفي
أضواء البيان — صفحة 383
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٨٣