Skip to main content

الملل والنحل — Page 113

Contributors:

P.113
وقال لا تطمع أحدا أن يطأ عقبك اليوم فيطأك غدا وقال لا تكن حلو جدا لئلا تبلع ولا مرا جدل لئلا تلفظ وقال ذنب الكلب يكسب له الطعام وفمه يكسب له الضرب وكان بأثينية نقاش غير حاذق فأتى ديمقريطيس وقال جصص بيتك فأصوره قال صوره أولا حتى أجصصه وقال مثل العلم مع من لا يقبل وإن قبل لا يعمل كمثل دواء مع سقيم وهو لا يداوى به وقيل له لا تنظر فغمض عينيه قيل له لا تسمع فسد أذنيه قيل له لا تتكلم فوضع يده على شفتيه قيل له لا تعلم قال لا أقدر وإنما أراد به أن البواطن لا تندرج تحت الاختيار فأشار إلى ضرورة السر واختيار الظاهر ولما كان الإنسان مضطر الحدوث كان معزول الولاية عن قلبه وهو بقلبه أكبر منه بسائر جوارحه فلهذا لم يستطع أن يتصرف في أصله لاستحالة أن يكون فاعل أصله ولهذا الكلام شرح آخر وهو أنه أراد التمييز بين العقل والحس فإن الإدراك العقلي لا يتصور الإنفكاك عنه وإذا حصل لن يتصور نسيانه بالاختيار والإعراض عنه بخلاف الإدراك الحسي وهذا يدل على أن العقل ليس من جنس الحس ولا النفس من حيز البدن وقد قيل إن الاختيار في الإنسان مركب من إنفعالين أحدهما انفعال نقيصة والثاني انفعال تكامل وهو إلى الانفعال الأول أميل بحكم الطبيعة والمزاج والآخر ضعيف فيه إلا إذا وصل إليه مدد من جهة العقل والتمييز والنص فينشيء الرأي الثاقب ويحدث الحزم الصائب فيحب الحق ويكره الباطل فمتى وقف هذا المدد من القوة الاختيارية كانت الغلبة للإنفعال الآخر ولولا تركب الاختيار عن هذين الإنفعالين أو انقسامه إلى هذين الوجهين لتأتي للإنسان جميع ما يقصده بالاختيار بلا مهلة ولا ترجح ولا هنية ولا تريح ولا استشارة ولا إستخارة