سرّيّة ، ولا يمكن التنبّؤ بكنهها إلّا من خلال الحدس والظنّ ، ولو استند الدليل إلى الحدس فقد اعتباره ، علاوة على ذلك فقد قال الطبري : ظن أغلب الناس أنّ الإمام لم يطرح أكثر من اقتراح على عمر بن سعد . وثانياً : رغم أنّ الطبري ينقل عن أبي مخنف ، وهذا عن عدد من المحدّثين في أنّ مقترحات الإمام عليه السلام ثلاث ، إلّا أنّ نفس أبي مخنف - على قول الطبري - روى عن عقبة بن سمعان : « ألا واللَّه ما أعطاهم ما يتذاكر الناس ، وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ، ولا أن يسيّروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ، ولكنّه قال : دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتّى ننظر ما يصير أمر الناس » « 1 » ، أمّا ما شاع بين الناس من الاقتراحات الثلاث فهي ظنون لا أساس لها . وثالثاً : الطبري هو الآخر نقل حدسيات الناس وكذلك قول المحدّثين وكلام عقبة بن سمعان ، أفلا يدلّ هذا النقل على عدم اعتناء الطبري بقول المحدّثين ؟ بل دليل على عدم إصداره حكماً يعتقد به . وإذا غضضنا الطرف عن هذا ، فما الذي يفيده نقل الطبري ؟ هل يفيد أكثر من كون المفاوضات كانت سرّيّة وأنّ الناس أبدت ظنونها وحدسها بهذا المجال ؟ فقد قال البعض : إنّ الإمام لم يتقدّم بأكثر من اقتراح واحد ، وقال البعض الآخر : بل كانت ثلاث اقتراحات ، ولعلّ هذا رأي الأكثرية ، كما أشار إلى ذلك عقبة بن سمعان ، فقد صرّح بأنّها لم تكن سوى شائعات جوفاء لا أساس لها ، ولم يقل الإمام عليه السلام سوى : « دعوني فلأذهب . . . » . وعلى هذا الضوء ألا يمكن الظنّ بأنّه ليس هنالك من سند لقول المحدّثين عن العامّة التي نقل عنها أبو مخنف سوى ظنّ الناس وحدسهم البعيد عن مفاوضات الإمام عليه السلام وعمر بن سعد ؟ وعليه : فهل يمكن الاستدلال بقول المحدّثين ؟ وهل لهذا
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 313 .