نعم ، إنّ هذه المحاجّة القرآنية لأحبار اليهود إنّما تهدف إلى تنبيه المسلمين ، بل كلّ إنسان ، إلى أصل مسلَّم من الأُصول التي تأبى التغيير ، وتنبيه الأُمّة من أجل سلوك السبيل القويم للفوز بالآخرة والابتعاد عن سبل الهلكة . وخلاصة هذا الأصل : أنّ الإنسان إذا اعتاد الذنوب ولم يلتفت إلى نفسه ، وقضى عمره في الأفعال القبيحة ، فلن يكون مصيره سوى النار والخلود فيها . 2 - كان اليهود يسعون لإثبات أصالة دينهم ونفي الشرعية عن دين النصارى من خلال تشبّثها بإبراهيم عليه السلام ، وهذا ما كانت تدّعيه النصارى أيضاً
وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ . . .
« 1 » ، فردّت عليهم الآية القرآنية من سورة آل عمران قائلة :
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
« 2 » . وقد أشارت آية أخرى صراحة إلى مفهوم هذه الآية فقالت
ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
« 3 » . فما الذي يمكن استنباطه من هذه الآية ؟ نفهم من هذه الآية أنّ اليهوديّة والنصرانيّة قد تجاوزت أهداف موسى وعيسى ، فأتباع موسى ليسوا بيهود ، كما لا يمكن لأتباع عيسى أن يكونوا نصارى ؛ لأنّ إبراهيم مسلم ، لا يهودي ولا نصراني . إذن ، فاليهودية والنصرانية أسماء ابتدعها أهل الكتاب لأنفسهم ، وهي تتنافى والتسليم للَّه وسلوك الصراط المستقيم ، وما سبيل موسى وعيسى سوى الإخلاص والتسليم والعبودية للَّه ، فقد قال عيسى عليه السلام :
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
« 4 » . ولا نبالغ إذا قلنا بأنّ الآية تلمّح إلى شرك اليهود والنصارى ،
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 113 .
( 2 ) سورة آل عمران : الآية 65 .
( 3 ) سورة آل عمران : الآية 67 .
( 4 ) سورة آل عمران : الآية 51 .