فقد صرّحت قائلة
وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
، ونترك الخوض في التفاصيل إلى موضع آخر .
النتيجة :
الآيتان المذكورتان تعرّضتا للمحاجّة بين أهل الكتاب : اليهود والنصارى ، كما اشترك القرآن في هذه المحاجّة ليقول : لستم - اليهود والنصارى - تابعين لإبراهيم ، وليس لإبراهيم من ارتباط بكم ، فطريق إبراهيم هو الصراط المُستقيم الذي يقود إلى الحقّ ، وسبيل إبراهيم هو الإخلاص للَّه ، وسبيل إبراهيم لا عوج فيه ولا انحراف ، وأخيراً سبيل إبراهيم هو التسليم للَّه والعبودية له . وعليه : فهاتان الآيتان اللتان تتحدّثان عن محاجّة أهل الكتاب وأوردهما القرآن ، إنّما الغرض منهما هو الالتفات إلى أصل مسلَّم أيضاً من قبل المسلمين ، بل من قِبل كلّ إنسان . لا شكّ أنّ دعوة إبراهيم عليه السلام أصيلة ، والإسلام إنّما واصل دعوته في عبودية اللَّه . إذن محور النجاة والصراط القويم يتمثّل في سلوك النبيّ العظيم إبراهيم عليه السلام ، والمسلمون ينبغي أن يلتفتوا إلى ما أورده القرآن بشأن إبراهيم ، ويعلموا بأنّ المسلم هو إبراهيم عليه السلام ، فإذا أراد أيّ فرد مسلم أن يكون خليل الرحمن يجب أن يسلم للَّه ولا يرى سواه ، ولا يسلك سوى صراطه ، ويصرف نفسه عن الدنيا ولا يكترث لزبرجها وزخرفها وأطماعها . كان هذان نموذجين من مئات النماذج التي ذكرها القرآن الكريم ضمن سرده لقصص الماضين على أنّهما من الحقائق المسلّمة التي لا تختصّ بجماعة معينة ، بل هي أصول ذات علاقة بمصير البشرية جمعاء ، وذكرها في القرآن دليل على عدم اقتصارها على شخوص القصّة وأبطالها ، بل من أجل لفت انتباه البشرية إليها ،