Skip to main content

المواقف — Page 482

Contributors:

P.482
فإن قيل هي قبل حدوثها معدومة بالفعل وقابلة للوجود ولا يمكن اجتماعهما بمثل ما ذكرتموه ولم يلزم من ذلك تركبها قلنا لأن المصنف بقابلية وجودها هو المادة البدنية الحاصلة عند حدوثها فلا حاجة إلى إثبات مادة لجوهر النفس بخلاف ما نحن فيه وإذا لم تقبل الناطقة الفناء كانت باقية بعد المفارقة ثم إنها إما جاهلة جهلا مركبا وإما عالمة أما الجاهلة فتتألم بعد المفارقة أبدا كالكافر عندنا وذلك لشعورها بنقصانها نقصانا لا مطمع لها في زواله وإنما لم تتألم قبل المفارقة لأنها لما كانت مشتغلة بالمحسوسات منغمسة في العلائق البدنية ولم تكن تعلقاتها صافية عن الشوائب العادية والظنون والأوهام الكاذبة لم تتنبه لنقصانها وفوت كمالاتها بل ربما تخيلت أضداد الكمال كمالا وفرحت بعقائدها الباطلة واشتاقت الوصول إلى معتقداتها وإذا فارقت صفت تعلقاتها وشعرت بفوت كمالاتها وامتناع نيلها وحصول نفصاناتها شعورا لا يخفى فيه التباس وأما العالمة فإما أن تكون لها هيئات رديئة اكتسبتها بملابسة البدن ومباشرة الرذائل المقتضاة للطبيعة وميلها إلى الشهوات أو لا فإن كانت تلك الهيئات حاصلة لها تألمت بها تألما عظيما واشتاقت إلى مشتهياتها التي ألفت بها اشتياق العاشق المهجور الذي لم يبق له رجاء الوصول ما دامت تلك الهيئات باقية فيها لكنها تزول عاقبة الأمر بحسب شدة رسوخها فيها وضعفها لأنها إنما حصلت لها للركون إلى البدن وجرتها أي جرت وكسبت تلك الهيئات للنفس محبتها له أي للبدن وذلك مما ينسى بطول العهد به وتزول بالتدريج وتقطع عقوبتها بها كالمؤمن الفاسق على رأينا وإن لم تكن تلك الهيئات للنفس بل كانت كاملة بريئة