تحققوا - أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم كان يخطط لنشاطات معادية لهم . ومن ناحية أخرى ، فان توالى الأحداث وضح أنه لم يكن هناك محاولة تتسم بالتصميم على قتل محمد ، وعلى هذا فالاتفاق الذي اتفق عليه زعماء قريش في هذا الاجتماع كان أقل خطورة مما تؤكده المصادر . وعلى أية حال ، فان الخطر المحدق ( الخطر وشيك الحدوث ) ربما عجل برحيل محمد صلّى اللّه عليه وسلم ( هجرته ) .
ومن الصعب أن نكون متأكدين من طبيعة هذا الخطر ومداه ، فالرواية عن الهجرة بشكل عام تتسم بوجود كثير من الزخارف المقحمة ، وحتى المراجع الأولى ربما لا تخلو من الإضافات . ومن الممكن أن يكون محمد صلّى اللّه عليه وسلم - بعد الاجتماع الذي عقده زعماء قريش - قد تعرض للازعاج والمضايقة في مكة ، وان كان الخطر الأعظم كما نفهم من تصرفات الرسول كان أثناء الطريق إلى المدينة ، فالذي لا شك فيه أنه كانت هناك مرحلة في الطريق يفترض أنه ان وصلها أصبح خارج زمام الحماية التي يقدمها له حماته في مكة ، بينما لا يكون قد وصل إلى المنطقة التي يكون فيها تحت حماية مسلمى المدينة ، إذ كان من الممكن أن يتعرض للقتل في هذه المنطقة الانتقالية دون أن يتعرض قاتله للقتل ثارا ، وربما كان أبو بكر الذي صاحب الرسول في هجرته في الوضع نفسه ؛ لأن عشيرته - فيما يبدو - قد تخلت عنه « 29 » .
ويروى ابن إسحاق أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم - وقد تأكد أنه لا بد مهاجر - عهد إلى على بأن ينام مكانه حتى يظن أهل مكة أنه لازال نائما في أمان ، ثم انسل هو - أي محمد صلّى اللّه عليه وسلم - ومعه أبو بكر بعيدا عن ملاحظة قريش إلى كهف غير بعيد عن مكة إلى الجنوب منها ، وفي الكهف قضى مع صاحبه يوما أو يومين حتى جاء الخبر من ابن أبي بكر أن قريشا قد كفت عن البحث عن الرسول ، فانطلق الرسول وصاحبه ومعهما عتيق أبى بكر واسمه عبد اللّه بن أرقط
Arqat
* على الجمال ، وفي المرحلة الأولى من
هامش
( 29 ) ابن هشام ، 245 وما بعدها .
* في السيرة النبوية لابن هشام في معرض الحديث عن هجرة الرسول : ابن أرقط ، وابن أريقط ، فكلاهما صحيح . ( طبعة مكتبة الايمان ، ج 2 ، ص 88 ) . ( المترجم ) .