تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد ( ص ) في مكة — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
ولأن هذا الدين الجديد قد ارتبط ارتباطا وثيقا بالمجتمعات غير البدوية في غرب شبه الجزيرة العربية ، فقد كان قادرا على احداث تغيير اجتماعي عميق . ففي مكة والمدينة كانت الأخلاق البدوية والنظرة البدوية - على أية حال - مناسبة تماما للظروف البدوية التي ثبت انها غير صالحة لإقامة مجتمعات مستقرة . وفي مكة ربما كانت المشكلة الرئيسية متمثلة في الفردية الأنانية ، أما في المدينة فقد كانت الحاجة إلى قيام سلطة عليا تفرض العدل هي الأكثر وضوحا . وبمعنى من المعاني ، فان انجاز الاسلام العظيم هو مواءمة الأخلاق البدوية لتصبح صالحة للمجتمعات المستقرة ، وكان مفتاح ذلك هو وضع مبدأ جديد لتنظيم المجتمع . وحتى اليوم فان رابطة المجتمع اعتبرت هي رابطة الدم ، لكن هذه الرابطة الأخيرة تعتبر ضعيفة جدا في حالة المجموعات أو الجماعات الأكبر ، فالأصل المشترك للأوس والخزرج لم يمنع الثارات المريرة بينهما ، كما أن الولاء للمجموعة برهن على أنه وازع غير كاف للسلوك طالما أن النزعة الفردية في حالة نمو . من الصعب أن نصيغ هذا المبدأ الجديد الذي أدخله الاسلام بشكل محكم ، لكن نواة هذا المبدأ هي فكرة ( النبي ) كمحور لتكامل المجتمع . ان الواحدة الاجتماعية الجديدة قد تضم عشائر مختلفة ( قد تكون ذوات قرابة بعضها ببعضها الاخر أولا ) ، لكنها تترابط معا بمقتضى الحقيقة التي مؤداها أن النبي قد أرسل لهم جميعا . وعلى هذا ، فان أفراد المجتمع يقع عليهم إطاعة أوامر اللّه لهم كما أوحاها إلى نبيه . وعلى هذا وجد مبدأ التضامن ومبدأ السلطة العليا التي تعلو فوق الجماعات المتنافسة ، أعنى النبي صلّى اللّه عليه وسلم أو - كما يمكننا أن نقول - كلمة اللّه . وتطور هذه الفكرة الجديدة يظهر واضحا في القران الكريم ، بازدياد استخدام كلمة ( أمة ) في الآيات التي نزلت في فترة متأخرة . خاصة في سياق الحديث عن اليوم الآخر ، حيث يبعث اللّه كل أمة ويحاسبها وهذا لا يمنع من أن يلقى كل ( فرد ) جزاءه من ثواب أو عقاب وفقا لما يستحقه ، وأشار القران الكريم إلى ( أمم ) لم تصدق أنبياءها :