أمره في ذلك ما حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن زياد المدني ، عن محمد بن كعب القرطى ، قال : لما رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تولى قومه عنه ، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من اللّه ، تمنى في نفسه أن يأتيه من اللّه ما يقارب بينه وبين قومه ، وكان يسره مع حبه قومه ، وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما قد غلظ عليه من أمرهم ، حتى حدث بذلك نفسه ، وتمناه وأحبه ، فأنزل اللّه عز وجل :
( وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى )
، فلما انتهى إلى قوله :
( أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى )
، ألقى الشيطان على لسانه ، لما كان يحدث به نفسه ، ويتمنى أن يأتي به قومه : « تلك الغرانيق العلا ، وأن شفاعتهن لترتجى » ، فلما سمعت ذلك قريش فرحوا ، وسرهم وأعجبهم ما ذكر به الهتهم ، فأصاخوا له - والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم ، ولا يتهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل - فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها ، فسجد المسلمون بسجود نبيهم ، تصديقا لما جاء به ، واتباعا لأمره ، وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم ، لما سمعوا من ذكر الهتهم ، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر الا سجد ، الا الوليد بن المغيرة ، فإنه كان شيخا كبيرا ، فلم يستطع السجود ، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها ، ثم تفرق الناس من المسجد ، وخرجت قريش ، وقد سرهم ما سمعوا من ذكر الهتهم ، يقولون : قد ذكر محمد الهتنا بأحسن الذكر ، قد زعم فيما يتلو : « أنها الغرانيق العلا ، وأن شفاعتهن ترتضى » وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقيل : أسلمت قريش ، فنهض منهم رجال ، وتخلف آخرون ، وأتى جبريل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : يا محمد ، ماذا صنعت ! لقد تلوت على الناس ما لم اتك به عن اللّه عز وجل ، وقلت ما لم يقل لك ! فحزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عند ذلك حزنا شديدا ، وخاف من اللّه خوفا كثيرا ، فأنزل اللّه عز وجل - وكان به رحيما - يعزيه ويخفض عليه الأمر ، ويخبره أنه لم يك قبله نبي ولا رسول تمنى كما تمنى ، ولا أحب كما أحب الا والشيطان قد ألقى في أمنيته ،