Skip to main content

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — Page 114

Contributors:

P.114
ملكهم مهما عبر إليهم وعاين بلادهم فلما رأوا عزيمته متقدمة على العبور أرسل بعضهم إلى بعض وكاتبوهم يستنجدون آراءهم في أمره وكان مفزعهم في ذلك إلى المعتمد بن عباد لأنه كان أشجع القوم وأكبرهم مملكة فوقع اتفاقهم على مكاتبته وقد تحققوا أنه يقصدهم يسألونه الإعراض عنهم وأنهم تحت طاعته فكتب عنهم كاتب من أهل الأندلس كتابا هو أما بعد فإنك إن أعرضت عنا نسبت إلى كرم ولم تنسب إلى عجز وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل ولم ننسب إلى وهن وقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتينا فاختر لنفسك أكرم نسبتيك فإنك بالمحل الذي لا يجب أن تسبق فيه إلى مكرمة وإن في استبقائك ذوي البيوت ما شئت من دوام لأمرك وثبوت والسلام فلما جاءه الكتاب مع تحف وهدايا وكان يوسف بن تاشفين لا يعرف اللسان العربي لكنه كان يجيد فهم المقاصد وكان له كاتب يعرف اللغتين العربية والمرابطية فقال له أيها الملك هذا الكتاب من ملوك الأندلس يعظمونك فيه ويعرفونك أنهم أهل دعوتك وتحت طاعتك ويلتمسون منك ألا تجعلهم في منزلة الأعادي فإنهم مسلمون وهم من ذوي البيوتات فلا تغير بهم وكفى بهم من وراءهم من الأعداء الكفار وبلدهم ضيق لا يحتمل العساكر فأعرض عنهم إعراضك عمن أطاعك من أهل المغرب فقال يوسف بن تاشفين لكاتبه فما ترى أنت فقال أيها الملك اعلم أن تاج الملك وبهجته وشاهده الذي لا يرد بابه خليق بما حصل في يده من الملك أن يعفو إذا استعفي وأن يهب إذا استوهب وكلما وهب جزيلا كان أعظم لقدره فإذا عظم قدره تأصل ملكه وإذا تأصل ملكه تشرف الناس بطاعته وإذا كانت طاعته شرفا جاءه الناس ولم يتجشم المشقة إليهم وكان وارث الملك من غير إهلاك لآخرته واعلم أن بعض الملوك الأكابر والحكماء البصراء بطريق تحصيل الملك قال من جاد ساد ومن ساد قاد ومن قاد ملك البلاد فلما ألقى الكاتب هذا الكلام إلى يوسف بن تاشفين بلغته فهمه وعلم أنه صحيح فقال للكاتب أجب القوم واكتب بما يجب في ذلك واقرأ
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — Page 114 | ابن خلكان / إحسان عباس