يا ابن جندب إن أحببت أن تجاور الجليل في داره وتسكن الفردوس في جواره فلتهن عليك الدنيا ، واجعل الموت نصب عينك ، ولا تدخر شيئا لغد ، واعلم أن لك ما قدمت وعليك ما أخرت .
يا ابن جندب من حرم نفسه كسبه فإنما يجمع لغيره ، ومن أطاع هواه فقد أطاع عدوه ، ومن يثق بالله يكفه ما أهمه من أمر دنياه وآخرته ويحفظ له ما غاب عنه ، وقد عجز من لم يعد لكل بلاء صبرا ، ولكل نعمة شكرا ، ولكل عسر يسرا ، صبر نفسك عند كل بلية في ولد أو مال أو رزية ، فإنما يقبض عاريته ويأخذ هبته ليبلو فيهما شكرك وصبرك ، وارج اللَّه رجاءا لا يجرئك على معصيته وخفه خوفا لا يؤيسك من رحمته ، ولا تغتر بقول الجاهل ولا بمدحه فتكبر وتجبر تعجب بعملك ، فإن أفضل العمل العبادة والتواضع ، فلا تضيع مالك وتصلح مال غيرك ما خلفته وراء ظهرك ، وأقنع بما قسمه اللَّه لك ، ولا تنظر إلا إلى ما عندك ، ولا تتمن ما لست تناله ، فإن من قنع شبع ، ومن لم يقنع لم يشبع ، وخذ حظك من آخرتك ، ولا تكن بطرا في الغنى ، ولا جزعا في الفقر ، ولا تكن فظا غليظا يكره الناس قربك ، ولا تكن واهنا يحقرك من عرفك ، ولا تشار من فوقك ، ولا تسخر بمن هو دونك ، ولا تنازع الأمر أهله ولا تطع السفهاء ، ولا تكن مهينا تحت كل أحد ، ولا تتكلن على كفاية أحد وقف عند كل أمر حتى تعرف مدخله من مخرجه قبل أن تقع فيه فتندم ، واجعل قلبك قريبا تتنازله ( 1 ) ، واجعل علمك ( 2 ) والدا تتبعه ، واجعل نفسك عدوا تجاهده ، واجعل مالك عارية تردها ، فإنك قد جعلت طبيب نفسك وعرفت آية الصحة ، وبين لك الداء ، ودللت على الدواء ، فانظر قيامك على نفسك ، وإن كانت لك يد عند إنسان فلا تفسدها بكثرة المن والذكر لها ، ولكن أتبعها بأفضل منها ، فإن ذلك
هامش
( 1 ) في المصدر : تشاركه .
( 2 ) في المصدر : عملك .