تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوافي — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
واعلم أن أدنى ما كتمت وأخف ما احتملت أن آنست وحشة الظالم وسهلت له طريق الغي بدنوك منه حين دنوت وإجابتك له حين دعيت ، فما أخوفني أن تبوء بإثمك غدا مع الخونة ، وأن تسأل عما أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة ، إنك أخذت ما ليس لك ممن أعطاك ودنوت ممن لم يرد على أحد حقا ولم يرد باطلا حين أدناك وأجبت ( 1 ) من حاد اللَّه ، أوليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم ، وجسرا يعبرون عليك إلى بلاياهم ، وسلما إلى ضلالتهم ، داعيا إلى غيهم ، سالكا سبيلهم ، يدخلون بك الشك على العلماء ، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم ، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم ، واختلاف الخاصة والعامة إليهم ، فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك ، وما أيسر ما عمروا لك فكيف ما خرجوا عليك ، فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك وحاسبها حساب رجل مسؤول . وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمة صغيرا وكبيرا ، فما أخوفني أن تكون كما قال اللَّه تعالى في كتابه « فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا » ( 2 ) إنك لست في دار مقام أنت في دار قد آذنت برحيل ، فما بقاء المرء بعد قرنائه ، طوبى لمن كان في الدنيا على وجل ، يا بؤس لمن يموت وتبقى ذنوبه من بعده ، احذر فقد نبئت ، وبادر فقد أجلت ، أنك تعامل من لا يجهل ، وإن الذي يحفظ عليك لا يغفل ، تجهز فقد دنا منك سفر بعيد وداو ذنبك فقد دخله سقم شديد ، ولا تحسب إني أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك ، لكني أردت أن ينعش اللَّه ما قد فات من رأيك ويرد إليك ما عزب من دينك ، وذكرت قول اللَّه تعالى في كتابه « وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ » .
هامش
( 1 ) في تحف العقول : وأحببت . ( 2 ) الأعراف / 169 . ( 3 ) الذاريات / 55 .