ما دام فيه الروح يبين به فإن تعدى ( 1 ) فليس له إلا الثلث » .
هامش
( 1 ) قوله « فان تعدى . . . » هذا أصح وأوضح من النسخة التي فيها بعدي ، والأنسب أن يورد هذا في الباب الخامس إذ هو رد على من يزعم أن للرجل أن يوصي بما شاء في أي مقدار من ماله ، والمعنى أن الميت ليس أحق بماله بعد موته وإنما هو أحق به في حال حياته فقط ، وذهب أبو حنيفة إلى للإنسان أن يوصي بأكثر من الثلث بل بجميع ماله إن لم يكن له وارث ، ويستفاد منه حكم الإبانة أعني تعيين مال الوصية على ما ذكرنا في الحاشية السابقة .
والظاهر أن هذا الحديث والحديث السابق وما يأتي عن التهذيب عن مرازم عن عمار بن موسى حديث واحد إلا أن صفوان رواه بلفظ وابن أبي عمير بلفظ آخر ، ومعنى قوله فان تعدى أن الموصي إن تعدى عن الثلث بأن أوصى بمال معين إلا أنه كان قيمة ذلك المال المعين أكثر من الثلث رد إلى الثلث ولا يعطى الموصى له جميع هذا المال المعين ، وخبر عمار كما تراه مروي بألفاظ مختلفة ولا يعلم ما يحتج به منها واحتمال كونه أخبارا متعددة بعيد في الغاية ومع ذلك فلا يدل على كون منجزات المريض من الأصل ولكن جماعة من علمائنا المتأخرين ذهبوا إلى أنها من الأصل واحتجوا برواية عمار هذه ولم يعتدوا باخبار متواترة تدل على أنها من الثلث واستصعبه آخرون وجعلوا مسألة المنجزات من المسائل المشكلة والمتشابهة ، وعلة حصول الشبهة أن خبر عمار وما في معناها قد أورد في باب منجزات المريض فيتبادر إلى ذهن الناظر أن المراد من أمثال هذا الخبر بيان حكم المنجزات لسبق ذهنه ولكن إذا تأمل وأنصف ولاحظ حال المخاطب في عهد الصادق عليه السلام المستمع للفظه شفاها ولاحظ أن الإبانة بمعنى التميز والتعيين والفصل لا بمعنى التنجيز عرف أن المتبادر إلى ذهن ذلك المستمع غير ما يتبادر إلى ذهننا لأن المستمع في ذلك العهد كان خالي الذهن عن منجزات المريض إذ لم يتعرض لها فقهاء الجمهور ذلك العصر ، ولكن رأي مالك بن أنس يفتي بأن الموصي إن أبان مالا وعينه للموصى له فان ذلك لا يتعين وللوارثة أن لا يعطوه ذلك المال بعينه ، ثم حضر هذا المستمع في مجلس الصادق عليه السلام وسمعه يقول الانسان أحق بماله في حياته فإذا أبان المال فهو جائز يتبادر إلى ذهنه أن مقصود الإمام عليه السلام مخالفة فتوى مالك وان تعيينه نافذ ، نعم يشترط أن لا يكون زائدا على الثلث والإمام عليه السلام ليس يريد بيان حكم المنجزات في حال المرض بالخصوص حتى يتمسك باطلاقه ، وهذا نظير أن يقال إذا حاضت الجارية فالصلاة عليها واجبة ، والمراد أنها إذا حاضت بلغت مبلغا تجب عليها الصلاة إن اجتمعت لها شرائطها إلا أنه تجب الصلاة حال الحيض ولا يتمسك باطلاق الكلام بالنسبة إلى الحالات ، وهكذا يقال يجب على الزوج نفقة الزوجة إلى أن يموت أحدهما ، والغرض الحكم بعدم وجوب النفقة في عدة الوفاة .
ولا يدل هذا الكلام على وجوب النفقة مع النشوز لأن إطلاقه مقيد بما يعلم من أن النشوز يسقط النفقة .
ثم إن شيخنا المحقق الأنصاري ( قده ) تمسك لا ثبات كون المنجزات من الأصل بشيئين غير هذه الأخبار : الأول : استصحاب حكم النفوذ قبل حال المرض ، والثاني : جريان العادة والسيرة بالصدقات حال المرض والمسامحة في أجرة الأطباء وغير ذلك .
وأقول : أما الاستصحاب فالحق وان كان عدم حجيته مطلقا لعدم قيام دليل عام على أن كل حادث يحكم ببقائه إلا أن القسم الذي ذكره المحقق في المعارج حجة أعني في كل مورد خاص دل دليل خاص بذلك المورد على بقائه بعد الثبوت كالطهارة والزوجية والملك لا كالخيار وحق الشفعة في مسألتنا هذه دل الدليل الخاص على أن جواز تصرف الانسان في ماله مستمر إلى أن يثبت المانع بعموم الأدلة والناس مسلطون على أموالهم لكنا ندعي الخروج من هذا الأصل بالدليل ، ولو لم يكن لنا دليل على حجر المريض لقلنا بحكم الاستصحاب أو عموم الأدلة ان تصرفاته نافذة حال المرض ، وأما جريان السيرة بالصدقات والمسامحة في الأجرة إن ثبتت فهي دليل برأسه على أن مثل ذلك خارج عن حكم المنجزات ، وأيضا لنا أن نقول هذه التصدقات والإنفاقات والمسامحات في أجرة الأطباء إن كانت بقدر شأن المريض وسعته فهي محسوبة من نفقة العيال وأجور الخدم وهي مستثناة قطعا بل ليست من المنجزات المحاباتية ، فإذا أوسع على أجور الخدم لا زياد مشقتهم في خدمة المريض أو تصدق زائدا على حال الصحة كان ذلك من نفقته اليومية ، وأما إن كان ذلك أكثر مما يليق بشأن المريض فنلتزم بالحجر عليه ، مثلا كان اللائق بشأنه أن يعطي مائة درهم لأربعة أطباء ولكنه أعطى عشرة آلاف واستحضر لمعالجته عشرة منهم ، أو كان اللائق به التصدق بعشرة دراهم فتصدق بدار قيمتها عشرون ألف مثلا فإن ذلك مما يحجر عليه ونسبوا القول بكون المنجزات من الأصل إلى أكثر القدماء وهو غير متحقق عندي ، وللكلام محل آخر .
وأما الروايات التي تدل على كون المنجزات من الثلث فبالغة حد التواتر لأنها واردة في مسائل متفرقة جدا لا يحتمل تواطؤ الرواة على الكذب أو الغلط والخطأ فيها ، فمنها رواية عمران بن حصين المتفق على روايتها العامة والخاصة ، ولعل هذه وحدها متواترة معنى فضلا عن انضمام ساير الأخبار ، وحاصل رواية عمران بن حصين ان رجلا أعتق ستة عبيد ولم يكن له غيرهم فأجاز رسول الله صلى الله عليه وآله اعتاق عبدين ولم يتوقف في العمل به المسلمون قاطبة ، وقد تكرر معناه في الباب الخامس ، وأما ما يدعى دلالته على الأصل فخبر واحد مضطرب المتن لا يدل على مقصودهم الأبيض أسانيده . « ش » .
في الكافي بدل « ما دام فيه الروح يبين به فان تعدى » هكذا : ما دام فيه الروح يبين به قال : نعم فان أوصى به فان تعدى ، وفي الفقيه هكذا : ما دام فيه الروح يبين به قال : فان تعدى ، وفي التهذيب : ما دام فيه الروح يبين به فان قال بعدي .