محمد قال « المطلقة تحج وتشهد الحقوق » ( 1 ) .
بيان :
حمله في الإستبصار على حجة الإسلام أو مع الإذن وشهادة الحقوق على ما بعد نصف الليل والرجوع في الليل لا يدل على الفساد ، والطلاق في حكم المعاملات .
وقد نقل في الكافي عن الفضل بن شاذان ( 2 ) رحمه اللَّه أنه قال في جواب من قال
هامش
( 1 ) أورده في التهذيب - 8 : 131 رقم 453 بهذا السند أيضا .
( 2 ) قوله « وقد نقل في الكافي عن الفضل بن شاذان . . . » في الكافي عن الحسين بن محمد قال حدثني حمدان القلانسي قال : قال لي عمر بن شهاب العبدي : من أين زعم أصحابك أن من طلق ثلاثا لم يقع الطلاق ؟ فقلت له : زعموا أن الطلاق للكتاب والسنة فمن خالفتهما رد إليهما ، قال : فما تقول فيمن طلق على الكتاب والسنة ، فخرجت امرأته أو أخرجها فاعتدت في غير بيتها ، تجوز عليها العدة أو ترد إلى بيته حتى تعتد عدة أخرى كما قال الله عز وجل ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ؟ قال : فأجبته بجواب لم يكن عندي جوابا ومضيت فلقيت أيوب بن نوح فسألته عن ذلك وأخبرته بقول عمر فقال : ليس نحن أصحاب قياس نقول بالآثار ، فلقيت علي بن راشد فسألته عن ذلك وأخبرته بقول عمر فقال : قد قاس عليك وهو يلزمك إن لم يجز الطلاق إلا للكتاب فلا يجوز العدة إلا للكتاب ، فسألت معاوية بن حكيم عن ذلك وأخبرته بقول عمر فقال معاوية : ليس العدة مثل الطلاق وبينهما فرق وذلك أن الطلاق فعل المطلق فإذا فعل خلاف الكتاب وما أمر به قلنا له ارجع إلى الكتاب وإلا فلا يقع الطلاق ، والعدة ليست فعل الرجل ولا فعل المرأة إنما هي أيام تمضي وحيض يحدث ليس من فعله ولا من فعلها ، إنما هو فعل الله تبارك وتعالى فليس يقاس فعل الله عز وجل بفعله وفعلها ، فإذا عصت وخالفت فقد مضت العدة وبانت بإثم الخلاف ولو كانت العدة فعلها لما أوقعنا عليها العدة كما لم يقع الطلاق إذا خالف ، إنتهى .
ثم نقل صاحب الكافي عن الفضل بن شاذان ما نقله المصنف ملخصا ، وهذه الأجوبة التي نقلها كلها صحيحة إلا جواب علي بن راشد فإنه التزام بالإيراد وتسليم بأنه لا يمكن دفعه ، وحاصل الإيراد أن النهي في المعاملات فإذا طلق طلاقا محرما في الشريعة كالطلاق حال الحيض أو في طهر المواقعة أو ثلاثا في مجلس واحد كان حراما ولكن يترتب عليه آثاره كالبيع وقت النداء ومرجع جواب أيوب بن نوح أن الدليل قائم على بطلان الطلاق لا على تحريمه فقط وهو صحيح لأن الأدلة دلت على نفي الصحة لا على التحريم فقط ، وأما جواب معاوية بن حكيم فمرجعه إلى الفرق بين الأفعال الاختيارية وغيرها وذلك لأن الفعل الاختياري إن كان غير مشروع فهو في نظير الشارع كلا فعل لأن المنصرف إليه من الألفاظ في اصطلاح كل أحد هو ما يصح في نظره ، فإذا قال الطبيب اشرب الترياق فمعناه نزياقا صحيح التركيب غير فاسد بطول البقاء ، وكذلك أحكام الطلاق في نظر الشارع إنما يترتب على ما أمر هو به وصح عنده ، وأما الفعل الغير الاختياري كمضي الليل والنهار والشهور ومجئ الحيض فليس مما يتعلق به التكليف ويميز بين المشروع منه وغير المشروع ومعنى العدة أن يصير المرأة حتى يمضي عليها مدة معلومة من غير اختيارها ثم تتزوج إن شاءت وليس الاعتداد فعلا اختياريا للمرأة حتى لا يعتنى بغير المشروع منه .
وهذا الجواب من معاوية بن حكيم حسن جدا إلا أنه لا يكفي لدفع المحظور بحذافيره لأن مثل البيع وقت النداء حرام وصحيح وفعل اختياري أيضا ويجب أن يكون الجواب بوجه عام يشمل الجميع إلا أن يطوي في كلامه بعض مقدمات مطوية .
وأما جواب الفضل بن شاذان فمرجعه إلى الفرق بين النهي المتوجه إلى نفس المعاملة والنهي المتوجه إلى أمر خارج عنها اتفق مقارنته معها ، والعلامة الفارقة بين النهيين أن ما توجه فيه النهي إلى أمر خارج كان حراما قبل المعاملة ومعها وبعدها وما توجه إلى نفس المعاملة لم يحرم قبلها ولا بعدها ، وكذلك العبارات ، وهذا جواب حسن أيضا ، والعلامة الفارقة التي ذكرها الفضل جارية يشمل ما لا يشمله جواب معاوية بن حكيم لأن البيع وقت النداء لم يتوجه النهي فيه إلى نفس البيع بل إلى التبطؤ عن صلاة الجمعة سواء تحقق مقارنا للبيع أو الأكل أو المشي أو غيرها ، فالقاعدة الكلية التي ذكرها في الفرق صحيحة إلا أن المثال الذي أورده لتطبيق القاعدة عليه أعني الصلاة في الدار المغضوبة أو في الثوب المغصوب مما لا يوافق عليه المتأخرون إلا صاحب القوانين ، وليست المناقشة في المثال من دأب أهل العلم ولا تخل بصحة أصل المعنى .
وقال المتأخرون أن النهي عن الغصب وإن كان ثابتا قبل الصلاة ومعها وبعدها ولكن إذا اجتمع الغصب مع الصلاة فالكون الواحد صلاة وغصب وليس مما يتعلق النهي فيه بأمر خارج عن الصلاة . والحق أن يقال أن العلامة التي ذكرها الفضل بن شاذان تامة في نفسها وان كل شيء كان محرما قبل شي آخر ومعه وبعده فهو غيره لا يؤثر النهي عنه من هذه الجهة إلى المقارن إلا أن يوجب حرمة المقارن شيء آخر أو خصوصية أخرى كما في الصلاة دون الوضوء في المكان المغصوب وذلك أن الصلاة لا تصح إلا مع السكون وعدم المشي وحركات أخر تخل بهيئتها ، وعلى فرض صحة الصلاة يكون المكلف مأمور بالوقف ومع فرض الغصب مأمور بالخروج وهما متنافيان لا يمكن من الشارع الحكيم الأمر بالمتضادين ، وأما الوضوء فليس فيه مأمورا بالسكون والقرار ويصح من الماشي فلم يصدر فيه على فرض صحة الوضوء أمر بمتنافيين .
وقد علمت من ملاحظة ما نقل عنهم أن الرواة لم يكونوا مقتصرين على نقل ألفاظ سمعوها بل كان فيهم علماء مدققون متفطنون لما يقتضيه الأصول ومقتضيات العقول بل يعرف مما ذكر أيضا أن كثيرا من المسائل كان مفروغا عنها يعترفون بها ولا يشكون فيها من غير أن يكون لفظ مروي منصوص دال عليه مضبوط في الكتب وهي مسائل الإجماع مثلا صحة العدة إن خرجت المرأة أو أخرجها الزوج من بيتها . « ش » .