- 17 -
باب
تزويج أم كلثوم
20894 - 1 ( الكافي 5 : 346 ) الثلاثة ، عن هشام بن سالم وحماد ، عن زرارة ، عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام في تزويج أم كلثوم ، فقال « إن ذلك فرج غصبناه ( 1 ) .
هامش
( 1 ) قوله « غصبناه » ليس معنى الغصب هنا الحرام نعوذ بالله لأن الله تعالى طهر أهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله من الرجس ولكن الغرض أنه لو كان الأمر بيدهم لما رضوا بتزويج أم كلثوم إلا من بعض بني عمه ولما طلبه الخليفة لم يكن لهم بد من إجابته وليس نكاحه فاسد لأن عمر كان على ظاهر الاسلام ولم ير منه ما يوجب كفره في ظاهر الشرع ، وقال المحقق الطوسي ( ره ) في التجريد : مخالفوا علي عليه السلام فسقة ومحاربوه كفرة ، ولم يحارب عمر عليا عليه السلام والاختلاف بين أهل السنة وبيننا في أصل المخالفة فقالوا لم يكونا مخالفين قط ، ويقول الخاصة كانت مخالفة لا يوجب الكفر ويجوز إنكاحه بغير إشكال ، وكذلك كان نكاح أبي بكر بأسماء بنت عميس وتولد محمد بن أبي بكر منهما .
وأما ما رواه المصنف من حديث الجنية اليهودية من أهل نجران ، فعن جماعة مجهولين ولا حاجة إليه كما ذكرنا ولا ندري ما الداعي إلى وضع هذا الحكاية ونقلها ، فإن كان لعدم صحة نكاح أم كلثوم بعمر فقد عرفت إنه صحيح بمقتضى فقه الشيعة الإمامية ، وإن كان لاستبعاد ذلك من أمير المؤمنين عليه السلام مع ما جرى بينهم في مبدء الخلافة ، فهو أيضاً غير مقبول مع ما نعلم من علي عليه السلام من المسامحة والإغماض مع أعدائه والعفو عن منا بذيه ووصى بابن ملجم خيرا بعد الضربة ، عفى عن مروان بن الحكم بعد حرب الجمل بعد أن أسروه مع كمال عداوته ، وعفا عن عمرو بن العاص في صفين وأغمض عنه النظر وعفى عن الأشعث بن قيس وغيرهم ، كما عفى النبي صلى الله عليه وآله عن الطلقاء خصوصا عن أبي سفيان وهند قاتلي عمه ، وإنما يستبعد مثله من ساير الناس لأنه إذا جرى بينهم أقل من ذلك منعهم من المزاوجة والمراودة ، ونعلم أنه لم يكن علي عليه السلام يراعي إلا مصالح الدين ، فإذا رأي المصلحة في تزويج أم كلثوم بعمر ، وكان في الشرع جائزا لم يكن يمتنع منه لتلك الضغائن ، وكان واضع هذا الخبر قاس عليا عليه السلام بسائر أفراد الناس فاخترع هذه الخرافة التي تضحك منها الثكلى وليس هذه الرجال الذين أسند بعضهم عن بعض إلا أسماء مخترعة لم يكن قط بإزائها أشخاص في الخارج ، فمن هو جذعان بن نصر ومحمد بن أبي سعدة ومحمد بن حمويه وأبو عبد الله الرنيني ، ولم يذكرهم أحد ممن ذكر الرجال ولا يعرفهم أحد من العلماء وليس أسماؤهم في فهرست مؤلفي الكتب إلا عمر بن أذينة وهو من الرجال المشهورين ، أما غيره فالصحيح أنهم موجودات وهمية اخترعه أحدهم لئلا يكون الخبر مجردا عن الإسناد .
وذكر بعض مشاهير أهل الحديث لا أحب ذكر اسمه شيئا أفحش وأشنع مما روي في هذا الخبر وهو إن نكاح أم كلثوم لم يكن صحيحا في ظاهر الشرع أيضاً ولكنه وقع للتقية والاضطرار فإن كثيرا من المحرمات تنقلب عند الضرورة أحكامها ، إلى آخر ما قال وأنا لا أرضى بأن أنسب الزنا إلى ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله لا للتقية ولا للضرورة وإن لزم منه كفر جميع المسلمين وإيمان جميع الكفار . وأيضاً مذهبنا إن فعل علي عليه السلام حجة كفعل النبي صلى الله عليه وآله ، وقوله كقوله صلى الله عليه وآله لا فرق بينهما أصلا في ذلك ، ويجب علينا أخذ الاحكام من فعله لا تطبيق فعله على الأحكام ، فإن غيره تابع له وليس هو تابعا لغيره ، فإن ثبت إنه أنكح أم كلثوم لعمر دل فعله على جوازه ولا أستطيع أن أقول رضي عليه السلام بأن يسلم أبنته للزنا تقية واضطرار ولا أظن أن يلتزم به عاقل مطلع على صفاتهم ومكارم أخلاقهم ومذهبي إن بنتي فاطمة سلام الله عليهما معصومتان يشملهما آية التطهير ، والأحسن لمن لا يرى هذا التزويج صحيحا أن ينكر أصل وقوعه لأنه غير متواتر من طرقنا ونقله زبير بن بكار وجميع الروايات في العامة ينتهي إليه على ما قيل .
وروي في كتاب الإصابة عنه ولدت أم كلثوم لعمر ابنه زيدا ورقية ، وماتت أم كلثوم وولدها في يوم واحد أصيب زيد في حرب كانت بين بني عدي ، فخرج ليصلح بينهم فشجه رجل وهو لا يعرفه في الظلمة ، فعاش أياما وكانت أمه مريضة فماتا في يوم واحد ، ولكن الحق إن رواية زبير بن بكار مع قرب عهده وكون كتابه في مرأى العارفين بهذه الواقعة ومشهدهم ملحق بالتواتر لأن تزويج بنت علي عليه السلام لخليفة عصره لم يكن مما يخفى أو ينسى بعد مائة سنة ، ونقل من يدعي العلم والثقة كزبير بن بكار الذي كان قاضي مكة وكان معروفا بعلم الأنساب في عصره وبعده لا بد أن يكون صادقا مع أن هذه الواقعة نقلت من رجال آخرين أيضاً على ما في الاستيعاب والإصابة كأبي بشر الدولابي وابن سعد وابن وهب مما ممتنع تواطؤهم على الكذب عادة ، وما ورد في أحاديثنا أيضاً مؤيد له ومع ذلك فإنكارها أصلا أسهل مما التزم به المحدث المذكور .
وروي عن الشيخ المفيد ( ره ) أن النكاح إنما هو على ظاهر الإسلام الذي هو الشهادتان والصلاة إلى الكعبة والإقرار بحملة الشريعة ، وإن كان الأفضل مناكحة من يعتقد الايمان ، ويكره مناكحة من ضم إلى ظاهر الإسلام ضلالا لا يخرجه عن الايمان إلا أن الضرورة متى قادت إلى مناكحة الضال مع إظهار كلمة الاسلام زالت الكراهة من ذلك . انتهى ما أردنا نقله وان قد ذكر القاضي نور الله التستري في مجالس المؤمنين إن الذين لم يحاربوا عليا عليه السلام ليسوا بكافرين ظاهرا وصرح بذلك في من تقدم علي عليه السلام في الخلافة مع شدة تعصبه في التبري منهم .
ونقل في الإصابة أن أم كلثوم تزوجت بعد قتل عمر بابن عمه عوف بن جعفر ، ثم بمحمد بن جعفر أخيه ، ثم بعبد الله بن جعفر ، وماتت وهي زوجته ، والله العالم .
والحاصل إنه لا يجتمع القول بصحة ازدواج أم كلثوم مع كفر زوجها ظاهرا ، فلا بد من الالتزام بوجهين : إما إنكار أصل التزويج ، وأما إسلام زوجها ، ولا يحتمل كون النكاح باطلا ووقوعه للتقية والضرورة كما ارتكبه المحدث المذكور . « ش » .