تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ اْلأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلاَبِ الْخَرَاجِ لاَِنَّ ذلِكَ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بِالْعِمَارَةِ ، ومَن طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَة أَخْرَبَ الْبِلاَدَ وأَهْلَكَ الْعِبَادَ ، ولَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاّ قَلِيلا ; فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلا أَوْ عِلَّةً أَوِ انْقِطَاعَ شِرْب أَوْ بَالَّة أَوْ إِحَالَةَ أَرْض ( 1 ) اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ . ولاَ يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَؤونَةَ عَنْهُمْ فَإنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلاَدِكَ ، وتَزْيِينِ وِلاَيَتِكَ ، مَعَ اسْتِجْلاَبِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ ، وتَبَجُّحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيْهِمْ مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِكَ لَهُمْ ( 2 ) والثِّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ فِي رِفْقِكَ بِهِمْ ، فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ اْلأُمُورِ مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيْهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طِيبَةَ أَنْفُسِهِمْ بِهِ فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَهُ ، وإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ اْلأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا ، وإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لاِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلاَةِ عَلَى الْجَمْعِ وسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ ، وقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ . ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ فَوَلِّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ ; وَاخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيها مَكائِدَكَ وأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِحِ اْلأَخْلاَقِ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلاَف لَكَ بِحَضْرَةِ مَلأ ، ولاَ تَقْصُرُ بِهِ الْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمَّالِكَ عَلَيْكَ إِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْكَ فِيمَا يَأخُذُ لَكَ ويُعْطِي مِنْكَ ، ولاَ يُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ ، ولاَ يَعْجِزُ عَنْ إِطْلاَقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ ، ولاَ يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي اْلأُمُورِ ; فَإنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ ، ثُمَّ لاَ يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ اسْتِنَامَتِكَ ( 3 ) وحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ ; فَإنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّفُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاَةِ بِتَصَنُّعِهِمْ حُسْنِ خِدْمَتِهِمْ ، ولَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ واْلأَمَانَةِ شَئٌ ، وَلكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا للصَّالِحِينَ قَبْلَكَ : فَاعْمِدْ لأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً ، وأَعْرَفِهِمْ بِالأَمَانَةِ وَجْهاً ، فَإنَّ ذلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ لِلّهِ ولِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ ، وَاجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْر مِنْ أُمُورِكَ رَأساً
هامش
1 - الثقل : ثقل الخراج المضروب . والبالّة : ما يبلّ الأرض من المطر . وإحالة الأرض : تحويلها البذور إلى الفساد . 2 - الإجمام : الإراحة . 3 - الفراسة : حسن النظر . واستنام إلى الشيء : سكن إليه سكون النائم ، والمقصود أن لا يكون انتخابك تابعاً لميلك الخاصّ وحسن ظنك .