4 - وقال : " وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل واللّه
لا يحبّ الفساد * وإذا قيل له اتّق اللّه أخذته العزّة بالإثم ، فحسبه جهنّم ولبئس
المهاد . " ( 1 )
والظاهر أنّ المراد بالتولّي هو التصدّي للحكم والولاية بقرينة قوله : " يهلك
الحرث والنسل " وقوله : " أخذته العزّة بالإثم . "
فالحاكم الإسلامي يحرم عليه الإفساد والتعدّي على الحرث والنسل ، يعني الأموال
والنفوس ، ويجب عليه أن يكون خاضعاً مستسلماً في قبال الذكرى والنصح .
فتدبّر في كلامه - تعالى - وانظر كيف بلي المسلمون في أعصارنا بالحُكّام الطُغاة
الذين خمّر في طبعهم الإفساد وهتك الأموال والأعراض والنفوس ، ولا يسمحون
لأحد الوعظ والنصيحة . وليس ذلك إِلاَّ بتفرّق المسلمين واختلافهم ، وفرارهم من
الموت وإعجابهم بالدنيا وشؤونها ، وإِنّ اللّه - تعالى - " لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما
بأنفسهم . " ( 2 )
5 - ولمّا بعث رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) معاذ بن جبل إِلى اليمن وصّاه فقال : " يا معاذ ، علِّمهم
كتاب اللّه ، وأحسن أدبهم على الأخلاق الصالحة . وأنزل الناس منازلهم : خيرهم
وشرّهم . وأنفذ فيهم أمر اللّه ولا تحاش في أمره ولا ماله أحداً ، فإنّها ليست بولايتك
ولا مالك ، وأدِّ إليهم الأمانة في كلّ قليل وكثير . وعليك بالرفق والعفو في غير ترك الحقّ ،
يقول الجاهل : قد تركت من حقّ اللّه . واعتذر إلى أهل عملك من كلّ أمر خشيت أن يقع
إِليك منه عيب حتّى يعذروك . وأمِت أمر الجاهلية إلاّ ما سنّه الإسلام . وأظهر أمر الإسلام
كلّه صغيره وكبيره . وليكن أكثر همّك الصلاة ، فإنّها رأس الإسلام بعد الإقرار بالدين .
وذكِّر الناس باللّه واليوم الآخر . واتبع الموعظة ، فإنّه أقوى لهم على العمل بما يحبّ اللّه .
ثم بُثّ فيهم المعلِّمين . واعبد اللّه الّذي إليه ترجع . ولا تخف في اللّه لومة لائم .
وأوصيك بتقوى اللّه ، وصدق الحديث ، والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة ، وترك الخيانة ،
ولين الكلام ، وبذل السلام ، وحفظ الجار ، ورحمة اليتيم ، وحسن العمل ، وقصر الأمل ،
وحبّ الآخرة ،
هامش
1 - سورة البقرة ( 2 ) ، الآية 205 - 206 .
2 - سورة الرعد ( 13 ) ، الآية 11 .