قد يكون الأمر فيه هكذا ، وقد يكون - في نظر الوارث - شيئا يحسن أن يقتنى ويستعمل
ولكن فقده لا يغير شيئا من وضع الحياة الحاضرة ولا يدخل نقصا هاما فيها . وقد
يكون في نظر الوارث ذا قيمة عاطفية محضة لا يؤثر فقده أبدا . وقد يكون في نظر
الوارث عبأ على الحياة ومعوقا لنموها ومانعا من ازدهارها ، ولذا فهو يسعى إلى
نبذه والتخلص منه والبراءة من آثاره .
هذا تحليل لمفهوم التراث أو الميراث في اللغة العربية - بمعناه العام لا بمعناه
الاصطلاحي الفقهي الخاص .
وقد استعملت كلمة التراث في اللغة العربية في العصور الأخيرة على ألسنة الباحثين
والأدباء والمفكرين للدلالة على آثار الفكر الإسلامي في السنة وعلومها ، والفقه
وأصول الفقه ، والتاريخ ، والأدب ، والفلسفة : وما إلى ذلك من الآثار الفكرية التي
خلفها المسلمون باللغة العربية .
ذاك هو الفكر ، وهذا هو التراث .
*
والفكر ، في المفهوم الحضاري - إذن هو المعلومات والشرائع والمناهج والقيم التي
تقوم شخصية الأمة الثقافية والحضارية ، وتعطيها سمتها المميزة لها عن الأمم
الأخرى ، ويرسم لها دورها في حركة التاريخ .
إن هذه المعلومات والشرائع والمناهج والقيم تشكل عقل الأمة وروحها وضميرها . وهي
تنظر إلى الكون والحياة والإنسان والأمم الأخرى من خلال هذه المعلومات والشرائع
والمناهج والقيم ، وتواجه مشاكلها ومسائل حياتها على ضوء الحلول والمواقف التي
يحميها هذا الفكر . وإنتاجها العقلي النظري كله يكون مطبوعا بطابع هذا الفكر ،
محتويا روحه ، ومستهديا بالنور الذي يشعه . . .
مثلا : الماركسية هي فكر العالم الشيوعي . فهي تشكل عقل شعوبه وروحها وضميرها ، وهي
تميز هذه الشعوب عن العالم الرأسمالي بالسمات التي تطبع بها طريقة الحياة لدى
هذه الشعوب . كما إن النتاج الثقافي النظري لهذه الشعوب مرسوم
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 64
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص٦٤