يمثل حلقة هامة في تاريخ نمونا ، إن له قيمة عاطفية وقيمة أكاديمية ( نظرية ) ،
وليست له قيمة عملية ، أو إن أكثره كذلك . ونحن ندرسه ، ونحققه وننشره ، ونحفظه لنعرف
كيف كنا لا لنعرف كيف نكون ؟ ولنرى صورتنا القديمة لا لنرسم صورتنا الحاضرة أو لنرى
كيف تكون صورتنا المستقبلة . إن التراث ، في أحسن الحالات ، شئ من أشياء القلب
والعاطفة ، وليس من أشياء العقل والعمل .
هذا هو التراث في المفهوم الحضاري .
*
وهنا أود أن أثير مسألة شديدة الخطورة وذات أهمية بالغة جدا بالنسبة إلينا
نحن المسلمين في هذا العصر ، وهي أن الكثرة الساحقة من المسلمين المتعلمين
والمثقفين على مناهج الغرب وأساليبه ينظرون إلى الإسلام - بما هو ثقافة ونظام
وحضارة - ويتعاملون معه على أنه تراث ، أي فكر ميت ، لا على أنه فكر .
أما الكثرة الساحقة من المسلمين فهم بحمد الله ونعمته لا يزالون يتعاملون مع
الإسلام على أنه فكرهم ( لا تراثهم ) وهم يحرصون ما وسعهم الحرص على أن يقيموا
حياتهم على هدى أحكامه وقيمه ، وإن كان علينا أن نعترف أن الحياة الحديثة كثيرا ما
تضطر الكثير منهم إلى تجاوز أحكام الإسلام ، أو تغريهم بتجاوزها ، لأنها حياة قائمة
على غير الإسلام ، وتستمد مفاهيمها الفكرية ، وقيمها الأخلاقية ، ومقاييسها الجمالية ،
وأفكارها العملية من غير الإسلام . ولكن هذه الكثرة الساحقة من المسلمين لا تزال
تعتبر الإسلام - كما قلنا - ( فكرها ) وإن تجاوزته اضطرارا أو تهاونا في الكثير أو
القليل من شؤون حياتها . إنه عقيدتها ، وشريعتها ، وقيمها .
ونعود ، بعد هذا الاستطراد ، إلى شرح موقف المسلمين الذين يتعاملون مع الإسلام على
أنه تراث لا فكر .
هم يرون أن الإسلام - لا بما هو عقيدة - وإنما بما هو شريعة وقيم ، فكر عصر مضى ،
وأنه بالنسبة إلى عصرنا هذا - حيث تشكل حياتنا الحضارة الحديثة ، ومناهجها في
التشريع ، وقيمها - مجرد تراث ، يمثل مرحلة سابقة في نمونا تجاوزها تطور التاريخ ،
فليس
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 66
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص٦٦