لماذا أبى علي بن أبي طالب أن يستجيب . . . ؟
لعله كان يأمل أن يمر المجتمع - بعد ما أصاب علاقاته من اهتزاز وتشويه في العهد
الماضي - في مرحلة انتقال يقوده فيها رجال لا تتألب عليهم مراكز القوى الجديدة
التي تمثل قيم الجاهلية . . .
ولكن تيار الرغبة كان عارما ، كما تعكسه لنا النصوص الآنفة الذكر ، ولم يكن من
الممكن تحويل ولاء الجماهير وثقتها إلى بديل . لقد كان الرفض يعني الكارثة ، لأن
القوى الجاهلية كانت قادرة - إذا استمر الفراغ في السلطة - أن تعود من جديد بعد
أن تكتل قواها المبعثرة ، وحينئذ يحرم المجتمع الإسلامي حتى من تجربة تكون في
المستقبل نموذجا وملهما . . .
ولا نعدم في نهج البلاغة نصوصا تضئ هذه المسألة ، وتوحي بقوة أن الإمام كان يفكر
على هذا النحو ، وذلك كقوله في كلام له عنونه الشريف الرضي ب . . . يبين سبب طلبه
الحكم ويصف الإمام الحق :
. . . اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ،
ولا التماس شئ من فضول الحطام ، ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الإصلاح
في بلادك ، فيأمن المظلومون من عبادك ، وتقام المعطلة من حدودك 1 .
وقوله في كتاب منه إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لما ولاه إمارتها :
. . . ولكنني آسى 2 أن يلي 3 أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها ، فيتخذوا
مال الله دولا وعباده خولا 5 والصالحين حربا 6 ، والفاسقين حزبا . . . 7 .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة - رقم النص : 131 .
( 2 ) آسى : أحزن - الماضي منه : أسيت بمعنى حزنت .
( 3 ) يلي : يكون واليا وحاكما على الأمة .
( 4 ) دولا : جمع دولة ، يعني : لئلا يكون المال العام بأيدي السفهاء والفجار
يتداولونه بينهم لمصالحهم مهملين مصالح الأمة فيه . والعبارة تومئ إلى قول الله
عز وجل ( كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم - سورة الحشر - الآية 7 ) .
( 5 ) خولا : عبيد ، يعني لئلا يستعبدوا الناس ويذلوهم .
( 6 ) حربا - أعداء يحاربونهم .
( 7 ) نهج البلاغة - باب الكتب - رقم النص : 62 .