نقول هذا داعين إلى إعادة النظرة في هذا النهج لمصلحة نهج آخر أقل غلوا ، وأكثر
واقعية ، وأوثق صلة بتكويننا العقيدي والحضاري والثقافي ، وأشد مواءمة لمصالحنا في
الحاضر والمستقبل ، وأوفق بدورنا الذي نطمح إلى استعادته لنساهم به في إنقاذ
الإنسان الحديث بتقويم الحضارة الحديثة ، وتصحيح مسارها نحو وضعية ملائمة لتكوين
الإنسان .
*
لقد كانت سياسة أمير المؤمنين علي ( ع ) - كما سنرى وجوها منها في الفصول التالية . .
محكومة بهاجس واحد كبير ونبيل : تكوين الإنسان المسلم المتكامل القوي السعيد ،
والمجتمع المسلم المتكامل القوي السعيد ، الإنسان والمجتمع المؤهلين ليكونا قوة
خيرة في العالم ، يمثلان طموح الإنسانية الدائم المتوهج نحو مثل أعلى .
وقد كانت ، لذلك سياسة لا تستمد مقوماتها من الحفاظ على الذات وعلى مصالح الحاكم
وأسرته ، فلقد كانت أسرة أمير المؤمنين علي أكثر الناس حرمانا من خيرات حكمه ،
وكان هو عليه السلام أكثر حرمانا من أسرته .
وكانت سياسته تستضئ بنور الفكر ، وتستهدي تعليم الله ، وتنفلق من قيم الأخلاق
والمناقب التي تشرف الإنسان ، ولذا فقد كانت سياسة الإمام إنسانية بكل ما لهذه
الكلمة من محتوى .
لم تكن أبدا سياسة الأفعال وردود الأفعال ، وحسابات الأرباح والخسائر للحاكم وآله
وبطانته . . . هذه السياسة التي تحمل روح الطيش والغريزة ، وتوجه بعقلية مزيج من روح
الغاية وروح التجارة .
وقد كان أمير المؤمنين علي في سياسته أمينا لعقيدته ، أمينا لشريعته ، فلا ينحرف
عنهما أبدا ، ولا يتجاوزهما - كما لا يقصر عنهما - في أمر من الأمور أو في حالة من
الحالات .
أمينا لأخلاقياته القرآنية - النبوية ، ولذا فقد جعل من العمل السياسي ممارسة
رفيعة للمناقب ، أمينا لمجتمعه ، فيشركه في اتخاذ القرارات بعد أن يبصره بعواقب سوء
الاختيار :
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 138
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص١٣٨