قال عليه السلام :
. . . وإنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شئ من الحق ، ولا أظهر من
الباطل ، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله ، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة
أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته ، ولا أنفق منه إذا حرف عن مواضعه ، ولا في
البلاد شئ أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر ، فقد نبذ الكتاب يومئذ حملته ،
وتناساه حفظته فالكتاب يومئذ وأهله طريدان منفيان ، وصاحبان مصطحبان في
طريق واحد لا يؤويهما مؤو . . . فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في الناس وليسا
فيهم ، ومعهم وليسا معهم ، لأن الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا . . . 1 .
وتصور الفقرة الأخيرة من هذا النص أبلغ تصوير واقع الانفصال بين الأمة وبين
قيادتها الفكرية نتيجة لاغترابها الثقافي ، وانفصالها - في مجال تكوين المفاهيم
والتوجيه - عن أصولها الفكرية .
وهذا الاغتراب الثقافي - الحضاري الناشئ عن هجر الأصول - وليس عن التفاعل مع
الآخرين - يؤدي إلى موقف في المنكر والمعروف خطير ، فإن ثمة مقياسين للقيم
والمثل الأخلاقية . أحدهما المقياس الموضوعي ، والآخر المقياس الذاتي .
المقياس الموضوعي هو الذي يجعل شريعة المجتمع وعقيدته منبعا للقيم الأخلاقية ففي
مجتمع إسلامي ، مثلا ، يكون منبع القيم هو العقيدة والشريعة الإسلاميتان .
وكذلك الحال في مجتمع مسيحي مثلا أو بوذي .
وهذا المقياس يقضي بأن يكون المجتمع ملتزما بعقيدته وشريعته في مؤسساته ونظمه
وعلاقاته بدرجة تجعله تعبيرا عن تلك العقيدة والشريعة .
والمقياس الذاتي هو الذي يجعل منبع القيم الأخلاقية شخص الإنسان ، فالإنسان في هذه
الحالة هو الذي يخترع أخلاقياته وقيمه التي تكيف سلوكه تجاه المجتمع وعلاقاته في
داخل المجتمع ، ويستبعد هذا المقياس أي مصدر للقيم خارج الذات للقيم والأخلاقيات .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة - الخطبة رقم 147 .